التعمق في الأمور الربانية بدعة ، والتدبر في الآيات الإلهية خدعة ، كأنهم الحنابلة من كتب الحديث ، المتشابهة عليهم الحق والخلق والقديم والحديث ، لم يتعد طورهم عن طور الأجسام ولم يرتق نظرهم عن الهياكل والاجرام ، فاعرضوا عن العلوم الإلهية والاسرار العظيمة الربانية التي جاءت به الأنبياء ، ونزلت بها إليهم الكتب من السماء ، مما مدح اللّه عليها واثنى على متأمليها في مواضع عديدة من كتابه المجيد الّذي هو تنزيل من عزيز حميد .
فكنت بقيت على هذا الحال ممسكا عنان الاشتغال ، حتى التمست عنى جماعة من الاخوان ورفقة من الخلان المستعدين لكشف الأقوال المستضيئين لنور الأحوال ، وكلما زدت في الاعتذار زادوا في الاقتراح ، وكلما أبيت أبوا الا المراجعة في طلب الانجاح « 1 » حتى اوهنوا عزمي على الاستنكاف ورجحوا ميلى إلى الاسعاف « 2 » ، علما منى بان الرحمة الإلهية مقتضية لان لا يهمل امرا ضروريا يحتاج إليه الاشخاص بحسب الاستعداد ، والعناية الربانية لا تبخل بشيء نافع في مصالح العباد ذخرا ليوم المعاد ، فربما اقتضت رحمته ان لا يختفى في بطون الاستتار هذه العلوم المنكشفة من عالم الاسرار ، ولا تبقى في الكتمان والاحتجاب الأنوار الفائضة من نور الأنوار ، فالهمنى الإفاضة مما شربنا من علم القرآن والحديث وسكرنا به من تأويل الأحاديث ، جرعة للعطاش الطالبين ولمعة لقلوب السالكين لتحيى بها نفس من شرب منه جرعة ، ويتنور قلب من وجد منها لمعة .
فرأيت أن اشرع في شرح الأحاديث ، مستمدا من اللّه مستعيذا به من شر كل عنيد وخبيث ، واخرج تلك المعاني من القوة إلى الفعل والتكميل ، مبرزا لها من الخفاء إلى الوجود والتحصيل ، فاعملت فيه فكرى وجمعت على ضم شوارده « 3 » امرى وسألت اللّه
هامش
( 1 ) اى : الفوز بالمقصود .
( 2 ) سعف بحاجته ، اى : قضاها له .
( 3 ) شرد شملهم ، اى : فرق جمعهم ، شوارد ، اى : المتفرقات . شوارد اللغة : نوادرها وغرائبها .