قلبه مراعيا له عما يشوشه في الاخلاص حارسا له عما يفسده ويهلكه أو يمرضه ويكدره من الاغراض النفسانية والشهوات الدنياوية ، بل تراه مشحونا بامراض مهلكة واخلاق مغوية مردية ، وهو لم يجدها قادحة في علمه وحاله ، ولا مانعة عن سلامته في معاده وماله كأنه لم يقرأ قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
، ( الشعراء - 89 ) ولم يسمع قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
( الشمس - 9 و 10 ) .
والحاصل ان العلم علمان : علم مكاشفة وعلم معاملة ، الأول يطلب لذاته لا لشيء اخر ، فإنه العلم باللّه وصفاته وآثاره ، والثاني يطلب للعمل به ، فغايته العمل ، وغاية العمل أيضا صفاء الضمير وسلامة النفس عن التعلقات وصقالة مرآة القلب عما يكدره ويرين عليه ويطبع ، وهذه الصفاء والسلامة أيضا امر عدمي ليس مقصودا بالأصالة ، وانما يطلب لكونه وسيلة إلى ما هو المقصود الأصلي وهو ارتسام صور الحقائق فيه أو تجلى الحق ونعوته وآثاره عليه ، ومن ظن أن علمه بكيفية الاعمال يكفيه في سلامة العاقبة والمآل والخلاص عن العذاب ، وبه ينال درجة أهل الفضل والكمال ، لكان كمن به مرض شديد وكان يعلم كيفية العلاج وتركيب الأدوية فظن أن ذلك يكفيه في خلاصه عن مرضه الجسماني ويشفيه بدون العمل به ، ولذلك يزداد مرضه حتى يهلكه ، وقد ورد تشديدات عظيمة للعالم التارك للعمل بعلمه :
فعن أمير المؤمنين عليه السلام : العلماء رجلان : رجل عالم اخذ بعلمه فهذا ناج ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك ، وان أهل النار يتأذون من ريح العالم التارك لعلمه ، وعنه عليه السلام : من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب ، وقال : إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم ، فان كل محب لشيء يحوط « 1 » ما أحب ، وقال عليه السلام : أوحى اللّه إلى داود عليه السلام : لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي ، فأولئك قطاع طريق عبادي المريدين ، ان أدنى ما انا صانع بهم ان أنزع لذيذ مناجاتى عن قلوبهم ، وقال عليه السلام : من طلب العلم ليباهى به
هامش
( 1 ) اى يهم بأمور ما أحب ويتعاهده .