العلماء أو يمارى « 1 » به السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه فليتبوّأ مقعده من النار ، إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار الكثيرة في ذم علماء الدنيا الراغبين في مالها وجاهها .
ومن عجيب ما ذكر في هذا الباب ما نقله الشيخ الفاضل العامل ناهج مسلك الورع واليقين ، قدوة المجتهدين زين الملة والحقيقة والدين العاملي طاب ثراه في بعض رسائله ناقلا عن بعض المحققين أنه قال : العلماء ثلاثة : عالم باللّه غير عالم بأمر اللّه ، وعالم بأمر اللّه غير عالم باللّه وعالم بهما جميعا ، فالأول عبد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقا بمشاهدة نور الجلال والكبرياء ، فلا يتفرغ « 2 » لتعلم علم الاحكام الا ما لا بد منه ، والثاني : هو الّذي يعرف الحلال والحرام ودقائق الاحكام ، ولكنه لا يعرف اسرار جلال اللّه ، واما الثالث : فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المحسوسات وعالم المعقولات ، فهو تارة مع اللّه بالحب وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار فيهم كواحد منهم كأنه لا يعرف اللّه ، فهذا سبيل الصديقين وهو المراد بقوله صلى اللّه عليه وآله : سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء ، المراد بقوله : سائل العلماء : العلماء بأمر اللّه غير العالمين باللّه ، فامر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء ، واما الحكماء : فهم العالمون باللّه الذين لا يعلمون أوامر اللّه ، فامر بمخالطتهم ، واما الكبراء : فهم العالمون بهما ، فامر بمجالستهم ، لان في مجالستهم خير الدنيا والآخرة .
ولكل واحد من الثلاث ثلاث علامات : فللعالم بأمر اللّه الذكر باللسان دون القلب ، والخوف من الخلق دون الرب ، والاستحياء من الناس في الظاهر ولا يستحيى من اللّه في السر ، والعالم باللّه ذاكر خائف مستحيى ، اما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان ، والخوف خوف الرجاء لا خوف المعصية ، والحياء حياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر . واما العالم باللّه وبأمر اللّه له ستة أشياء : الثلاثة المذكورة للعالم باللّه
هامش
( 1 ) المرية الجدل . ماري مراء ومماراة : جادل ونازع ولاج .
( 2 ) تفرغ : تخلى من الشغل ، وتفرغ للامر : بذل مجهوده فيه .