زال رأس ماله بزوال حياته الأولى وفقد أماله ، فهو أضل ضلالا من الانعام والحشرات ، وأسوأ حالا من الدواب والجمادات ، لكونه من المردودين إلى أسفل سافلين بعد ما له قوة الارتقاء إلى أعلى عليين ومجاورة المقربين ، و
ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ *
والعذاب المهين .
فبمقتضى العقل الصحيح المؤيد بالنقل الصريح يجب على كل انسان خلقه اللّه خلقة صحيحة سالمة من النقائص الفطرية والقصورات الخلقية ، وافاده قوة بها يدرك حقائق الايمان وآيات القرآن ، ويعرف بها الحق الأول والملائكة والرسل والكتاب والميزان والحساب والمعاد والنشر والجنة والرضوان والعقاب والنيران ، لا يقف من العمل ولا يعافه الكسل من تحصيل العلم والعرفان والتخلص عن شرور هذه النفوس والأبدان بمطالعة آيات اللّه والعلوم المنزلة بالوحي والالهام على النبي وآله عليهم - السلام ، الذين هم خزائن اسرار الوحي والتنزيل ، ومعادن جواهر العلم والتأويل وحفظة اسرار اليقين والايمان ، وسدنة أنوار الحكمة والبرهان ، لأنهم صلوات اللّه عليهم أجمعين معصومون عن الخطاء والنسيان ، مطهرون عن السهو والنقصان بما اذهب اللّه عنهم من رجس العصيان ، وطهرهم من دنس الجهالة وغواية الشيطان ، فجعلهم اللّه حججا على بريته وأنصارا لدينه ، وأوعية لاسرار علمه ومستودعا لأنوار حكمته ، وأركانا لتوحيده ودليله ، وأدلاء على صراطه وسبيله ، وأرواحهم وأنوارهم واحدة
بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
، وطينتهم واسرارهم متصلة واحدا بعد واحد والدا وما ولد ، خلقهم اللّه من عليين وجعلهم بعرشه محدقين ،
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
، ( النور - 36 ) فبولايتهم يسلك سبيل الجنة والرضوان ، وعلى من جحد نورهم غضب الرحمن وعذاب النيران وهم العلماء الربانيون والحكماء الإلهيون والأولياء الكاملون وعباد اللّه المكرمون المحبوبون وأهل الذكر الذين عنهم يسألون لقوله تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *
( النحل - 43 ) .
ثم إن أحسن أحاديث مذكورة رويت لنا منهم ، وابهى درر كلمات منثورة نقلت إلينا عنهم ، تحلى اللسان بجواهر حقائقها ، وتجلى الانسان في زواهر حدائقها ،