والكاشف دلّ على أنّ نقيض ما وقع كان خلاف إرادة اللَّه تعالى ، فعلم أنّ العبد لم يكن مستجمعاً لجميع أجزاء الاستطاعة التامّة ، ومعنى الاستطاعة التامّة الجامعة للظاهريّة والباطنيّة .
فإن قلت : فكيف كان مكلّفاً بشيء لم يكن مستجمعاً لجميع أجزاء الاستطاعة التامّة ؟
قلت : مناط التكليف الظاهريّة لا الباطنيّة . « ا م ن » .
وقد كنت متفكّراً في أنّ توقّف فعل العبد على إذنه تعالى إمّا بالذات أو بجعل جاعل ، حتّى أوقع اللَّه تعالى في قلبي أنّه ليس بالذات بل بجعل اللَّه تعالى .
وتوضيحه أنّه تعالى كما أوجب وجود الحوادث بقوله : « كن » فقد جعل بقوله : « لم يكن » أمراً لا ما أثبته في اللوح ولم يوجد شيء إلّابإذني جميع أفعال العبد موقوفاً عليهما . « ا م ن » .
قوله : ( أعزّ من أن يضادّه في ملكه أحد ) [ ح 2 / 416 ] أقول : في كتاب التوحيد لابن بابويه أحاديث كثيرة بظاهرها مخالفة للحديثين المذكورين في هذا الكتاب ، وأحاديث موافقة .
فمن المخالفة : حدّثنا أبي رضي الله عنه . قال : حدّثنا سعد بن عبد اللَّه ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عمّن رواه من أصحابنا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : سمعته يقول :
« لا يكون العبد فاعلًا إلّاوهو مستطيع ، وقد يكون مستطيعا غير فاعل ، ولا يكون فاعلًا أبداً حتّى يكون « 1 » معه الاستطاعة « 2 » .
حدّثني أبي رضي الله عنه قال : حدّثنا سعد بن عبد اللَّه ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال :
ما كلّف اللَّه العباد كلفة فعلٍ ولا نهاهم عن شيء حتّى جعل لهم الاستطاعة ، ثمّ أمرهم ونهاهم ، فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلّاباستطاعةٍ متقدّمة قبل الأمر والنهي ، وقبل الأخذ والترك ، وقبل القبض والبسط « 3 » .
هامش
( 1 ) . في النسخة : حتى لا يكون ، والمثبت من المصدر .
( 2 ) . كتاب التوحيد ، ص 350 ، باب الاستطاعة ، ح 13 .
( 3 ) . كتاب التوحيد ، ص 352 ، ح 19 .