فَلَمَّا قَامَ طَارِقٌ خَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ وَعَمْرُو بْنُ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيَّانِ فَأَقْبَلَا عَلَيْهِ يَلُومَانِهِ فِي خُطْبَتِهِ إِيَّاهُ وَفِيمَا عَرَضَ لِمُعَاوِيَةَ . فَقَالَ طَارِقٌ لَهُمَا : وَاللَّهِ مَا قُمْتُ بِمَا سَمِعْتُمَاهُ « 1 » حَتَّى خُيِّلَ لِي أَنَّ بَطْنَ الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ظَهْرِهَا عِنْدَ إِظْهَارِهِ مَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعَيْبِ وَالنَّقْصِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص « 2 » وَلِمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ وَمَا زَهَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَمَلَكَهُ عُجْبُهُ وَعَابَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَاسْتَنْقَصَهُمْ « 3 » وَلَقَدْ قُمْتُ مَقَاماً عِنْدَهُ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهِ أَنْ لَا أَقُولَ إِلَّا حَقّاً وَأَيُّ خَيْرٍ فِيمَنْ لَا يَنْظُرُ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ غَداً وَأَنْشَأَ يَتَمَثَّلُ بِشَعْرِ لَبِيدِ بْنِ عُطَارِدَ التَّمِيمِيِّ « 4 »
لَا تَكُونُوا عَلَى الْخَطِيبِ مَعَ الدَّهْرِ * فَإِنِّي فِيمَا مَضَى لَخَطِيبٌ
أَصْدَعُ النَّاسَ فِي الْمَحَافِلِ بِالْخُطْبَةِ * يَعْيَا بِهَا الْخَطِيبُ الْأَرِيبُ
وَإِذَا قَالَتِ الْمُلُوكُ : مَنِ الْحَاسِمُ * لِلدَّاءِ ؟ قِيلَ : ذَاكَ الطَّبِيبُ
غَيْرَ أَنِّي إِذْ قُمْتُ كَارَبَنِي « 5 » الْكُرْبَةَ * لَا يَسْتَطِيعُهَا الْمَكْرُوبُ
وَكَذَاكَ الْفَجُورُ يَصْرَعُهُ الْبَغْيُ * وَفِي النَّاسِ مُخْطِئٌ وَمُصِيبٌ
وَخَطِيبُ النَّبِيِّ أَقْوَلُ بِالْحَقِّ * وَمَا فِي مَقَالِهِ عُرْقُوبٌ « 6 »
إِنَّ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ مِنَ النَّاسِ * وَقَدْ يَنْفَعُ الْفَتَى التَّجْرِيبُ
لَحَقِيقٌ بِأَنْ يَكُونَ هَوَاهُ * وَتُقَاهُ فِيمَا إِلَيْهِ يَئُوبُ
هامش
( 1 ) التكملة من ش .
( 2 ) ظ « عليه السلام » .
( 3 ) ما بين المعقوفين من ش .
( 4 ) تقدم ذكره .
( 5 ) ظ وم « كابرني » تصحيف والتصحيح من ش .
( 6 ) عرقوب : أي ليس فيه التواء .