فمحت ما في قلوبهم فبهتوا واضطربوا وصاحوا صيحة واحدة ومزقوا ثيابهم وكشفوا رؤوسهم ثم صعد الكرسي وأجاب الجميع عما كان عندهم فاعترفوا بفضله ؛ وكان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره مع الصغير والجارية ويجالس الفقراء ويفلي لهم ثيابهم وكان لا يقوم قط لأحد من العظماء ولا أعيان الدولة وما ألمّ قط بباب وزير ولا سلطان ، وكان رضي اللّه عنه يقول : أقمت في صحراء العراق وخرابه خمسا وعشرين سنة مجردا سائحا لا أعرف الخلق ولا يعرفوني يأتيني طوائف من رجال الغيب والجان أعلمهم الطريق إلى اللّه عزّ وجلّ ورافقني الخضر عليه السلام في أول دخولي العراق وما كنت عرفته وشرط أن لا أخالفه وقال لي اقعد هنا فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرة ويقول لي مكانك حتى آتيك ذكر ذلك الشعراني في طبقاته ( ومن ) كلام سيدي عبد القادر كما في كتابه فتوح الغيب : إذا أقامك اللّه تعالى في حالة فلا تطلب الانتقال منها إلى ما هو أعلى منها أو أدنى بل تربص حتى يكون الحق تعالى هو الذي ينقلك بغير إرادة منك وإذا أوقفك بالباب فلا تطلب الدخول إلى الدار واصبر حتى تدخل إليها بعد تكرر الإذن بالدخول وإياك أن تقنع بمجرد الإذن لك بالدخول مرة واحدة لجواز أن يكون ذلك مكرا وخديعة من الملك فإذا كان الدخول جبرا محضا وفضلا من الملك فحينئذ لا يعاقبك الملك على الدخول وإنما تتطرق العقوبة إليك بشؤم اختيارك وشرهك وقلة صبرك وسوء أدبك وتركك الرضا بحالتك التي أقامك الحق تعالى فيها ثم إذا أدخلك تلك الدار بالإذن فكن مطرقا برأسك غاضّا بصرك متأدبا ناظرا لما تؤمر به من الخدمة فتبادر إلى ذلك غير طالب للترقي إلى الدرجة العليا قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
« 1 » الآية . فنهاه عن الالتفات إلى غير الحالة التي هو فيها ، ثم إن العبد الطالب للانتقال من حال إلى حال لا يخلو من أن يكون ذلك الأمر قسم له أو قسم لغيره أو لم يقسمه اللّه لأحد بل أوجده اللّه تعالى فتنة ، فأما المقسوم فهو واصل إلى العبد لا محالة في الوقت الذي جعله الحق تعالى فلا ينبغي له أن يظهر
هامش
( 1 ) سورة الحجر 88 .