يرجع إلى الكرسي وكان رضي اللّه عنه يقول بقيت أياما لم أستطعم فيها بطعام فلقيني إنسان فأعطاني صرة فيها دراهم فأخذت منها خبزا سميذا وخبيصا وجلست آكله فإذا برقعة مكتوب فيها قال اللّه تعالى في بعض كتبه المنزلة : « إنما جعلت الشهوات لضعفاء خلقي ليستعينوا بها على الطاعات أما الأقوياء فما لهم وللشهوات » . فتركت الأكل وانصرفت وكان رضي اللّه عنه يقول إنه لتردّ عليّ الأثقال الكبيرة التي لو وضعت على الجبال لتصدّعت فإذا كثرت علىّ الأثقال وضعت جنبي على الأرض وتلوت :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
« 1 » . ثم أرفع رأسي وقد انفجرت عني تلك الأثقال وكان رضي اللّه عنه يقول قاسيت الأهوال في بدايتي فما تركت هولا إلا ركبته وكان لباسي جبة صوف وعلى رأسي خريقة وكنت أمشي حافيا في الشوك وغيره وكنت أقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس من شاطئ النهر ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من اللّه تعالى الحال فإذا طرقني صرخت وهمت على وجهي سواء كنت في صحراء أو بين الناس وكنت أتظاهر بالتخارس والجنون وحملت إلى البيمارستان وطرقتني مرة الأحوال حتى مت وجاءوا بالكفن والغاسل وجعلوني على المغسل ليغسلوني ثم سري عني وقمت وقال له رجل مرة كيف الخلاص من العجب ؟ فقال رضي اللّه عنه من رأى الأشياء من اللّه وأنه هو الذي وفقه للعمل وأخرج نفسه من البين فقد سلم من العجب . وقيل له مرة ما لنا لا نرى الذباب يقع على ثيابك فقال أي شيء يعمل الذباب عندي وأنا ما عندي شيء من دبس الدنيا ولا عسل الآخرة وكان رضي اللّه عنه يقول أيما امرئ مسلم عبر على باب مدرستي خفف اللّه عنه العذاب يوم القيامة وكان رجل يصرخ في قبره ويصيح حتى آذى الناس فأخبروه به فقال إنه رآني مرة ولا بد أن اللّه تعالى يرحمه لأجل ذلك فمن ذلك الوقت ما سمع له أحد صراخا وكان رضي اللّه عنه يقرأ القرآن بالقراءات بعد الظهر وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنهما وكانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه .
هامش
( 1 ) سورة الشرح 5 و 6 .