عينيه وقال : ما الّذي يبكيك يا أبا بكر ؟ فقال : حبيبي ، افتكرت في شيء أنا خائف منه ، قال : ما هو ؟ قال : في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ
« 1 » ، وهذا دين يبقى بعدك ونخاف أن تحتج علينا الأعداء من بعدك ، ويقولون إن الله أمر نبيكم بجهاد الكفار والمنافقين ، فجاهد الكفار ولم يجاهد المنافقين ، ونخاف أن يكون ذلك نقص في الدين ، فمن يقضى دينك ويجاهد الكفار والمنافقين ، من بعدك ، فلزم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يد أبى بكر ، وقال : أنت قاضى ديني والقاتل من يرتد عن ديني ، أما سمعت قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
؟ » [ المائدة : 54 ] .
قالت عائشة رضي الله عنها : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول قبيل وفاته : « لا إله إلا الله ؛ إنّ للموت سكرات » وإنه أشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال : « اللهمّ الرفيق الأعلى ( أي نهاية مقام الروح وهو الحضرة الواحدية ) ؛ فالمسئول إلحاقه بالمحل الّذي ليس بينه وبينه أحد في الاختصاص .
وفي حديث مرسل أنه قال : « اللهمّ إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل ، اللهم فأعنّى على الموت وهوّنه عليّ » « 2 » [ والقصب عروق الرئة ، والرئة : مهموزة مخفّفة ] ، وأما حديث : « اللهم الرفيق الأعلى » فكان اخر كلمة تكلم بها ، ولما رأت فاطمة ذلك قالت : « وا كرباه » فقال : « لا كرب على أبيك بعد اليوم » « 3 » ، وكلما أفاق أوصى بالمحافظة على الصلاة « 4 » ، وفي تلك الشدائد زيادة رفع درجات للأصفياء ، وكفّارة سيئات لأهل الابتلاء .
وقد توفى صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ثلاث وستين ، وكذا الصحيح في سن أبى بكر وعمر وعائشة ثلاث وستون سنة ، وهذا أحسن مدة العمر بعد النصر والفتح المبين .
واختلف في مدّة مرضه : فقيل اثنا عشر يوما ، وقيل ثلاثة عشر يوما ، وقيل أربعة عشر يوما .
هامش
( 1 ) التوبة : 73 .
( 2 ) عزيز على الروح الطاهرة أن تفارق الجسد الطاهر .
( 3 ) ومما قالوه : إن الدنيا بالنسبة له هي الكرب ، أما وقد خرج من الدنيا فلا كرب عليه .
( 4 ) كان يكرر : « الصلاة وما ملكت أيمانكم » رواه أحمد ، والنسائي ، وابن ماجة ، والطبراني .