تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
من عائشة رضي الله عنها أنها تظهر كراهة ذلك ، مع محبتها له باطنا ، هكذا يقتضيه ظاهر اللفظ ، والمنقول عن عائشة رضي الله عنها أنها إنما قصدت بذلك خوف أن يتشاءم الناس أبا بكر فيكرهونه ، حيث قام مقامه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد جاء عنها رضي الله عنها أنها قالت : « ما حملني علي كثرة مراجعتى له صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا ، ولا كنت أرى أنه يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس منه » « 1 » ، فصلي بهم ثلاثة أيام في حياة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فوجد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأيام خفّة ، فقام يتهادى بين رجلين ، ورجلاه يخطّان في الأرض ؛ حتى دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر رضي الله تعالى عنه صوته ذهب يتأخّر ، فأومأ إليه صلّى اللّه عليه وسلّم ألا يتأخر ، فجاء رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى جلس عن يسار أبي بكر ، وكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قاعدا وأبو بكر يصلى قائما ، اقتداء بصلاة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، والناس يقتدون بصلاة أبى بكر رضي الله عنه ، فلما فرغ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وجلسوا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « معاشر المسلمين ؛ ما من نبيّ يموت حتّى يصلّى خلف رجل صالح من أمته » وأن النبي صلّى به رجلان من أمته : عبد الرحمن بن عوف في السفر ، وأبو بكر الصدّيق في الحضر . وأما ما رواه البخاري بإسناده إلي عروة عن أبيه عن عائشة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أبا بكر أن يصلّى بالناس في مرضه ، فكان يصلّي بهم ، فوجد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من نفسه خفّة فخرج إلي المحراب ، وكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله ، والناس يصلّون بصلاة أبى بكر ، أي بتكبيره ، فهو إنما كان في وقت اخر . وفي المواقف أيضا : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استخلف أبا بكر في الصلاة حال مرضه ، واقتدي به وما عزله ، ولذلك قال عليّ : « قدّمك رسول الله في أمر ديننا ، أفلا نقدمك في أمر دنيانا ؟ ! » « 2 » . قال أنس بن مالك رضي الله عنه : لما مرض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرضه الّذي مات فيه ، اجتمعنا جماعة من الصحابة ، ودخلنا عليه صلّى اللّه عليه وسلّم وجلسنا بين يديه وهو نائم علي فراشه ، فجلس أبو بكر عند رأسه ، ونظر في وجهه وبكي ، ففتح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
هامش
( 1 ) هذا هو الصحيح ، والّذي قاله الشيخ أولا معاذ الله أن يكون منها رضي الله عنها ؛ وهي الصدّيقة بنت الصديق . ( 2 ) رد قاطع على الذين يفرّقون بين أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم .
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 405 | الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى