قال : « يا أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد ( أي يقتصّ ) منّي ، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منّي ، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ، ولا يخشي الشحناء من قبلي ، فإنها ليست من شأني » .
ثم نزل وصلّى الظهر ، ثم رجع إلي المنبر فعاد إلي مقالته ، فادّعى عليه رجل بثلاثة دراهم ، فأعطاه عوضها ، ثم قال : « ألا إنّ فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة » ثم صلّى علي أصحاب أحد ، واستغفر لهم ، ثم قال : « إنّ عبدا خيّره اللّه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده » فبكى أبو بكر ، وقال : فديناك بأنفسنا .
ثم أوصى صلّى اللّه عليه وسلّم بالأنصار .
ولما اشتد وجعه قال : « ائتوني بدواة وبيضاء « 1 » أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا » . فقال بعضهم : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . ثم اختلفوا واختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، ومنهم من يقول غير ذلك ، فلما كثر اللغو والتنازع قال : « لا ينبغي عند نبيّ تنازع » فذهبوا يعيدون عليه ، فقال : « دعوني ؛ فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه » .
وكان في أيام مرضه يصلى بالناس ، وإنما انقطع ثلاثة أيام ، فلما أذّن بالصلاة أوّل ما انقطع ، قال : « مروا أبا بكر فليصلّ بالناس » ، فقالت عائشة رضي الله عنها : « إنّ أبا بكر رجل أسيف « 2 » ( أي رقيق القلب ) ، وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس من البكاء ، فلو أمرت عمر » فقال : « مروا أبا بكر أن يصلّى بالناس » ، فقالت عائشة لحفصة : « قولي إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر » فقال : « إنكن صواحب يوسف » ( أي مثل صاحبة يوسف عليه الصلاة والسلام وهي زليخا ) أظهرت خلاف ما تبطن ، أظهرت للنساء التي جمعتهن أنها تريد إكرامهن بالضيافة ، وإنما قصدها أن ينظرن لحسن يوسف عليه الصلاة والسلام ويعذرنها في حبه ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهم
هامش
( 1 ) يقصد : شيئا يكتب فيه العهد الّذي سيعهد فيه للمسلمين .
( 2 ) كان رضي الله عنه يشمّ من فيه رائحة الشواء من احتراق كبده من خوف الله عز وجل .