تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
تجاوز عسكرهم ، وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصا ، وانقلبوا خاسئين ، فكان نصره صلّى اللّه عليه وسلّم ) بالصبا ، وكان إهلاك عاد بالدبور « 1 » ، ( وهي الريح الغربية ) . ووقع بينهم الاختلاف ، فرحلت قريش مع أبي سفيان ، ورحلت غطفان وهم يقولون : الرحيل الرحيل ، لا مقام لكم . فبلغ ذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « الآن نغزوهم ولا يغزونا » وكان كذلك حتّى فتح مكة . * وظهرت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حفر الخندق معجزات ، منها : 1 - أن كدية ( أي صخرة ) اشتدّت عليهم ، فدعا بماء وتفل فيه ونضحه عليها فانهالت تحت المساحي « 2 » . روى البيهقي وغيره أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما خطّ الخندق ، وقطع لكل عشر أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون ، وظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول ، فوجّهوا سلمان إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يخبره ، فجاءه وأخذ المعول فضربها ضربة فصدعها ، وبرق منها بريق أضاء ما بين لابتيها ( أي لابتي المدينة ) فكأن بها مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبّر وكبر المسلمون ، وقال : « أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب » أي في بياضها وصفرتها وانضمام بعضها إلى بعض . [ واللابتان : حرّتان يكتنفانها ، والحرّة : كل أرض ذات حجارة سوداء كأنها محترقة من الحر ] . ثم ضرب الثانية ، فقال : « أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم » . ثم ضرب الثالثة ، فقال : « أضاءت لي قصور صنعاء ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها » أي الأراضي التي أضاءت « فأبشروا » فقال المنافقون : ألا تعجبون من محمد يمنيكم أيها المؤمنون ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنه يبصر من يثرب « 3 » ( أي المدينة ) قصور الحيرة ، وأنها تفتح لكم ، وإنكم إنما تحفرون الخندق
هامش
( 1 ) كما قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » ، رواه الإمام أحمد . ( 2 ) المساحي : المعاول التي يحطمون بها الصخور . ( 3 ) قد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن تسمية المدينة « يثرب » وقال : « من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة ، هي طابة ، رواه الإمام أحمد عن البراء ؛ لأن التثريب : المؤاخذة والعقاب ، ومنه قوله تعالى :لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ، والمدينة دار الإيمان والأمان والمغفرة ، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه .
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 278 | الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى