المطلب ما لي بسلبه حاجة » يعنى أنه لم يقتله ، فليس سلبه له ، لا أنه جبن عن سلب قتيل كل إنسان يستطيع أن يسلب ما عليه . فمن سمع هذه الحكاية نسبه إلى الجبن الّذي لا يليق بحال الصحابة - رضوان الله عليهم - مع أن هذا لا ينتج عن جبنه ، وإنما لا يدل على شجاعته ، وليست الشجاعة في الحروب صفة لكل إنسان .
وعرض الغلمان وهو يحفر الخندق وكانوا بأجمعهم - من بلغ ومن لم يبلغ - يعملون فيه ، فلما التحم الأمر : أمر من لم يبلغ خمس عشرة سنة أن يرجع إلى أهله ، وأجاز من بلغ خمس عشرة سنة ، فممّن أجازه : عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وزيد بن ثابت ، وأبو سعيد الخدري ، والبراء بن عازب - رضي الله عنهم - وشبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية ، فصارت كالحصن ، وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة ، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة - رضي الله عنهما .
ولما فرغ منه صلّى اللّه عليه وسلّم أقبلت قريش ومن معها من بني قريظة وقبائل العرب المشركين ، واشتدّ البلاء حتّى ظن المؤمنون كلّ الظن ، وأقام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم والمشركون بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب ، إلا الرمي بالنبل والحصار ، وكان جماعة من المنافقين مثل أوس القيظي ، ومتابعيه ينفرون جيش الإسلام ، ويقولون : ارجعوا إلى منازلكم ، واعتلّوا بأن منازلكم عورة خالية عن المحافظة ، فإنها خارج المدينة ، ونحن نخاف أن يظفر بها جيش العدو ، وكما أخبر عنه قوله تعالى :
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً
( 13 ) [ الأحزاب : 13 ] ، وكان المشركون يتناوبون الحرب ، لكن الله تعالى لم يمكنهم عبور الخندق ؛ فإن شجعان الصحابة كانوا يمنعونهم بالنبال والأحجار ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه في الليالي يحرس بعض مواضع .
ثم نصر الله نبيه على المشركين ، واختلفت كلمتهم ، وهبّت ريح الصبا عاصفة في ليال شديدة البرد كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها
[ الأحزاب : 9 ] ، فجعلت الريح تقطع أطناب خيامهم وتكفئ قدورهم وتقلبهم على بعض أمتعتهم ولا