عليهم أصحابهم من اليهود حتّى نقضوا العهد ، وصاروا مع الأحزاب ، فعظم الخطب حتّى ظن المؤمنون كل الظن كما سبق ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال معتب بن قشير : « كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى قضاء الحاجة » . كما قال تعالى :
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً
( 11 ) [ الأحزاب : 10 ، 11 ] .
وقال ابن عباس : كان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة ، ومن أسفل منهم قريش وغطفان أ . ه .
والمراد من فوقهم : من جهة المدينة ، ومن أسفل منهم : من جانب أسفل الوادي .
وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة ، ورسول الله مقابلهم ، وليس بينهم قتال غير المراماة بالنبل والحصار كما سبق ، ثم خرج عمرو بن عبد ودّ - من ولد لؤي بن غالب - يريد المبارزة ، فبرز إليه عليّ - رضي الله عنه - فقال عمرو :
يا ابن أخي ، والله ما أحبّ أن أقتلك ، فقال علي : لكنني والله أحب أن أقتلك .
فحمي عمرو ، ونزل من على فرسه وسلّ سيفه كأنه شعلة نار ، ثم أقبل نحو عليّ مغضبا ، ثم التقيا ، فاستقبله عليّ بدرقته فضربه فقدّها وأثبت فيها السيف ، وأصاب رأسه فشجّه ، وضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط وأثار العجاج « 1 » ، وسمع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم التكبير ، فعرف أن عليا قتله ، وانكشفت الغبرة ، وإذ علا عليّ صدر عمرو يذبحه ، ثم أهبّ الله ريح الصبا ، إلى اخر ما سبق ذكره .
ثم أقبل عليّ ووجهه يتهلل ، ولم يكن في العرب درع مثل درع عمرو ، فخرجت خيولهم منهزمة ، وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ ، وهو منهزم عن عمرو ، وخرج في إثرهم الزبير وعمر فناوشوهم ساعة ، وحمل الزبير على رجل منهم « 2 » فشقه نصفين ، وقطع سرجه حتّى وصل إلى كاهل الفرس ، فقيل له : ما رأينا مثل سيفك ! فقال : ما هو السيف ، إنه الساعد . ثم اتفق الكفار على أن يحملوا جميعا ولم يتخلف منهم أحد ، فوافوا رسول الله عند طلوع الشمس وأحدقوا
هامش
( 1 ) العجاج : الغبار .
( 2 ) هو هبيرة بن أبي وهب ، زوج أم هانئ أخت الإمام علي كرم الله وجهه .