تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
بالخندق من كل وجه ، ووجّهوا نحو خيمته كتيبة عظيمة فيها خالد بن الوليد ، فقاتلوهم يومئذ إلى هويّ « 1 » الليل حتّى كشفهم الله وتفرقوا ، وشغل المصطفى عن العصرين « 2 » والعشاءين ، فأقام لكلّ إقامة ، وقال : « شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قلوبهم نارا » « 3 » . ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا ، وتفرّق الأحزاب بتخذيل نعيم بن مسعود الأشجعي الّذي أتى إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم مسلما ، ولم يعلم قومه ، وأمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالتخذيل ، حيث قال له : « خذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة « 4 » ( بفتح الحاء وسكون الدال أي ينقضى أمرها بالمخادعة ) . وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس ، أخو بنى محارب بن فهر في يوم الخندق ، يمدح قومه ، ويعتذر عن الهزيمة :
ومشفقة تظن بنا الظنونا * وقد قدنا عرندسة طحونا « 5 »
كأنّ زهاءها أحد إذا ما * بدت أركانه للناظرينا
ترى الأبدان فيها مسبغات * على الأبطال واليلب « 6 » الحصينا
وجردا كالقداح مسوّمات * نؤمّ بها الغواة الخاطئينا
كأنهم إذا صالوا وصلنا * بباب الخندقين مصافحونا
أناس لا ترى فيهم رشيدا * وقد قالوا : ألسنا راشدينا ؟
وأحجرناهم شهرا كريشا « 7 » * وكنّا فوقهم كالقاهرينا
نراوحهم ونغدو كل يوم * عليهم في السلاح مدجّجينا
هامش
( 1 ) هوى الليل : تمامه واستواؤه . ( 2 ) العصرين : الظهر والعصر ، والعشاءين : المغرب والعشاء . ( 3 ) وفي رواية : « ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة حتّى غابت الشمس » رواه أحمد ، والأربعة والبيهقي عن علي ، وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود . ( 4 ) « الحرب خدعة » قال البزار : فتح الخاء وسكون الدال لغة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولغته أفصح اللغات . وقالوا : معناه أن من خدع مرة واحدة عطب وهلك ولا عودة له ، وقال المطرز : الفتح أفصح لأنه لغة قريش : وقال ابن درستويه : ليست لغة قوم ، إنما هي لغة الجميع ؛ لأنها من الخداع فلذلك فتحت والله تعالى أعلم . ( 5 ) العرندس من الإبل : الشديد . ( 6 ) اليلب : محركة الترس ، أو الدرع ، أو جلد يخرز بعضه إلى بعض تلبس على الرؤوس خاصة . ( 7 ) التكريش : تقطيب الوجه ، وكرش الجلد : تقبض ، والمقصود أنه صعب شديد .