تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
العمل ، فأخبر بذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان ويجمع وضوؤه في ظرف ويغتسل سلمان بتلك الغسالة ويكفى الإناء خلف ظهره ، ففعل ، فنشط في الحال كما ينشط البعير من العقال « 1 » . وهو أوّل مشهد شهده سلمان الفارسي مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم . ومكث صلّى اللّه عليه وسلّم في عمل الخندق خمسة عشر يوما ، وجعل النساء والذراري في الآطام ، وعلى حصن بعض النساء حسان بن ثابت الأنصاري - رضى الله تعالى عنه - وكان من دأبه ألا يقتحم المخاوف ؛ إما لمانع حسّي ، كأن تكون يداه لا تطيقان حمل القناة ومسك عنان الجواد ؛ لأنه كان معدّا للتحريض على القتال بحماس شعره الّذي هو أحدّ من آلات النضال ، وكانت وظيفته هجاء المشركين وتأييد الدين ، ومع ذلك لم ينسبه أحد من أعدائه إلى الجبن « 2 » ، ولم يهجه به ، كما قلت :
حسّان كان هماما * بطعنة الشّعر يوجع
وكيف يجبن شهم * وسط الحروب يشجّع
فكان عليه مدار عظيم في الحروب وقوة الإسلام ، وإن لم يخض في بحر المعامع ، ولا كان له فيها اقتحام ، ومما يدل على ذلك أنه في بعض الليالي وهو مع النساء اتفق أن يهوديا جعل يطوف بذلك الحصن ، فقالت صفية لحسان : لا آمن هذا اليهودي أن يدلّ على عورة الحصن ، فيأتون إلينا ، فانزل فاقتله . فقال حسان - رضي الله عنه - : يا بنت عبد المطلب قد عرفت ما أنا بصاحب هذا ، ( أي ليس دأبى الحرب ) . فلما أيست منه أخذت عمودا ونزلت ففتحت باب الحصن وأتته من خلف فضربته بالعمود حتّى قتلته وصعدت الحصن فقالت : يا حسان انزل إليه فاسلبه ؛ فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل . فقال : يا ابنة عبد
هامش
( 1 ) هذا هو الدواء الصحيح للحسد ، وهو حديث صحيح . ( 2 ) في الواقع أن وضع جميع الشعراء هو هكذا : الشاعر يكون دائما خلف الرجال لأن صفته التشجيع ، وأما وصف سيدنا حسان بالجبن فهو اتهام باطل وإن انتحلوا له الأسباب ، وقد عاش سيدنا حسان عشرين ومائة عام منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام ، رضي الله عنه وأرضاه .