يعمل له رحى تطحن بالريح ، دلالة على استحباب حصول الإسلام على أدوات الأشياء النافعة الموجودة بالممالك الأجنبية كما هو جار الآن بالبلاد الإسلامية الراغبة في تجديد المنافع للحرب والسلم .
وعمل صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه في حفر الخندق ، ولما بدأ صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
بسم الله وبه بدينا « 1 » * ولو عبدنا غيره شقينا
يا حبّذا ربّا وحبّ دينا
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم متمثلا بقول ابن رواحة وهو ينقل التراب وقد وارى الغبار عن جلدة بطنه الشريف :
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا * وثبّت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا « 2 »
يمدّ بها صوته مكررا لها : « أبينا أبينا » .
وروى أن حفر الخندق كان في زمان عسرة ومجاعة ، حتى إن الأصحاب - رضي الله عنهم - كانوا يشدّون على بطونهم الحجر من الجهد والجوع الّذي بهم ، ولبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون زادا ، وعن أبي طلحة : « شكونا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم الجوع ، ورفعنا عن بطوننا عن حجر ، فرفع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عن بطنه حجرين . ذكره الترمذي في الشمائل ، ولهذا أشار صاحب البردة بقوله :
وشدّ من سغب أحشاءه وطوى * تحت الحجارة كشحا مترف الأدم
وهذا منه صلّى اللّه عليه وسلّم تعليم للأمة للصبر على الجوع ، وإلا ففي الحقيقة هو مطعم شبع من فيض مولاه ؛ لأنه كان يطعم ويسقى من ربه ، وإنما العادات الظاهرية قد تجرى مجراها ، ولو في حق الأنبياء ، حتى إنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصوم كان يصير
هامش
( 1 ) بضم الباء وكسر الدال ( الطهطاوي ) .
( 2 ) وليس هذا من إنشاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما هو مردد ، وكان من عادته أن يقلب البيت أو يكسره ليخرج من ميزان الشعر ، وهكذا في كل ما ورد أنه ردّده .