الشعب أم أبو بكر ؟ وقد ذكر هو حاله يومئذ فقال في خطبة له مشهورة : فتعاقدوا ألا يعاملونا ولا يناكحونا وأوقدت الحرب علينا نيرانها واضطرونا إلى جبل وعر مؤمننا يرجو الثواب وكافرنا يحامي عن الأصل ، ولقد كانت القبائل كلها اجتمعت عليهم وقطعوا عنهم المارة والميرة فكانوا يتوقعون الموت جوعا صباحا ومساء لا يرون وجها ولا فرجا قد اضمحل عزمهم وانقطع رجاؤهم « 1 » .
وقال أبو جعفر ( أي الإسكافي ) : لا أشك أن الباطل خان أبا عثمان ( أي الجاحظ ) والخطأ أقعده والخذلان أصاره إلى الحيرة ، فما علم وعرف حتى قال ما قال ، فزعم أن عليا عليه السلام قبل الهجرة لم يمتحن ولم يكابد المشاق وأنه إنما قاسى مشاق التكليف ومحن الابتلاء منذ يوم بدر ، ونسي الحصار في الشعب وما مني به منه ، وأبو بكر وادع رافه يأكل مع من يريد ويجلس مع من يحب مخلى سربه طيبة نفسه ساكنا قلبه وعلي عليه السلام يقاسي الغمرات ويكابد الأهوال ويجوع ويظمأ ويتوقع القتل صباحا ومساء ، لأنه كان هو المتوصل المحتال في إحضار قوت زهيد من شيوخ قريش وعقلائها سرا ليقيم به رمق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وبني هاشم وهم في الحصار ، ولا يأمن في كل وقت مفاجأة أعداء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله له بالقتل كأبي جهل بن هشام وعقبة بن أبي معيط والوليد بن مغيرة وعتبة بن ربيعة وغيرهم من فراعنة قريش وجبابرتها ، ولقد كان يجيع نفسه ويطعم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله زاده ويظمئ نفسه ويسقيه ماءه ، وهو كان المعلل له إذا مرض والمؤنس له إذا استوحش وأبو بكر بنجوة عن ذلك لا يمسه مما يمسهم ألم ولا يلحقه مما يلحقهم مشقة ولا يعلم بشيء من أخبارهم وأحوالهم الا على سبيل الإجمال دون التفصيل ، ثلاث سنين محرمة معاملتهم ومناكحتهم ومجالستهم محبوسين محصورين ممنوعين من الخروج والتصرف في أنفسهم ، فكيف أهمل الجاحظ هذه الفضيلة ونسي هذه الخصيصة ولا نظير لها - انتهى « 2 » .
هذه من علاه إحدى المعالي * وعلى هذه فقس ما سواها
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة 13 / 254 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 13 / 256 - 257 .