( تذييل )
اعلم أن الشجاعة من المعاني القائمة بالنفس ، فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر ولا يمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذاتها ، بل طريق معرفتها والعلم بها مشاهدة آثارها ، فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف بالشجاعة فطريقته أن ينظر إلى ما يصدر منه إذا أحدقت به الرجال وحفت به الآجال وتضايق المجال وحاق القتال فإن كان مجزاعا مهلاعا مفزاعا يستركب الهزيمة ويستبقها ويستصوب الدنية ويتطوقها ويتبادر إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار فذلك عن الشجاعة بمراحل وإن كان مجسارا كرارا صبارا يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزامير المطربة ويسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواظر المعجبة خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة يعد مصافحة الصفاح غنيمة باردة ومرامحة الرماح فائدة عائدة .
يلقى الرماح بنحره فكأنما * في قلبه عود من الريحان
ويرى السيوف وصوت وقع حديدها * عرسا تجليها عليه غوان
فهذا مالك زمام الشجاعة وحائزها ، وصدق واللّه واصفه بالشجاعة التي يحبها اللّه .
إذا عرفت هذا وتأملت فيما نقلناه من مقاتلة أصحاب الحسين عليه السلام وأهل بيته علمت أن جميعهم كانوا في أعلى درجة الشجاعة وأرفع مرتبة الشهامة إلا أن العباس بن علي عليهما السلام كان له من قداحها المعلى ورتبته أرفع وأعلى منه يقتبس أنوارها ويقتطف ثمرها ونوارها ، فإنه كان صلب الإيمان نافذ البصيرة وذا منزلة عند اللّه يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة . وناهيك بمن أبوه أمير المؤمنين سيد البرية عليه آلاف التسليم والتحية .
روى المسعودي في مروج الذهب في ذكر وقعة الجمل :
ان أصحاب الجمل حملوا على ميمنة علي عليه السلام وميسرته فكشفوها فأتاه بعض ولد عقيل وعلي عليه السلام يخفق نعاسا على قربوس سرجه فقال له :