ثم أسندت ظهري إلى الجدار وقلت : السلام عليك يا أبا عبد اللّه ، وإذا بصوت المؤذن على المنارة . فانتبهت فلم أر في رجليّ وظهري وعانتي وجعا ولا في نفسي ضيقا ولا في بطني نفخا وورما . فارتعدت وجلست فوقع حزامي على فخذي ، فمسحت عيني وقلت : لعلّي نائم . فلما رأيت صرخت صرخة وقلت : يا حسين ، وقمت وتوضّأت ودخلت الحرم . ثم نشر الشفاء وفشى ، و
« ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ » *
« 1 » .
قلت : وقد رآه مريضا من أهل كربلاء من المجاورين والزوّار والطلاب وغيرهم جمّ غفير ، وحدّثني السيد الأجل جناب العالم السيد حسين المتقدم : إني لما رأيته يوم السبت ما حسبت أولا أنه هو المريض الذي رأيته في الأربعاء ، لأن وجهه صار مشرقا مائلا إلى الحمرة ، وبطنه كالمعتدل مزاجه ، وقد كان وجهه مصفرا في الغاية وبطنه كأكبر ما يكون من الشنان المنفوخة .
ثم لما كان ليلة عرفة وكان زمان ازدحام الناس في الحرم ، عزم أن يزور في الساعة الرابعة من الليل . فلما دخله في تلك الساعة ، رأى الأعراب نائمين في داخل الحرم ، شاغلين تمام مجالسه . فتعجب من جرأتهم وسوء أدبهم واستقبالهم الشباك المطهر بأرجلهم ، إذ لم يكن له علم بحالهم ودأبهم قبل هذا . فذهب إلى المسجد المتصل به ، فرآه كذلك حتى أن النساء والأطفال الصغار معهم فيه . فكثر تعجبه ووقف ساعة يتفكر في حالهم وحركاتهم الشنيعة ورياحهم المنتنة ، ثم خرج متغيّرا وجلس عند قبر حبيب بن مظاهر إلى الفجر .
فلما أضاء النهار ، خرج فرأى تلك الجماعة يخرجون من الحرم ويقضون حاجتهم في وسط الصحن ، ثم يتوضئون كأقبح ما يكن ويدخلون الحرم بتلك الأرجل الملوّثة ، فانزجر وضاق صدره واشمأزّ منهم .
ولما كان في ليلة العيد وقد فاتته الزيارة في ليلة عرفة كما أرادها ، تهيّأ في تلك الساعة للزيارة والدعاء . فلما دخل فيه ، رآه بتلك الحالة حتى أن بعضهم نائما متصلا
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 54 .