ثم خرجت من المقتل ، فرأيت الناس قد سكنت لهم الحواس وخمدت منهم الأنفاس ، ونظرت في داخل الروضة المطهرة فلم أجد أزيد من عشرة . فأمسكت الباب وأنا في تغيّر وانقلاب ، وقلت : يا ابن رسول اللّه ، أنت خبير بما في الضمير وإني خرجت من بلدي لم أتوسّل بغيرك ولم أعتمد على سواك ، ألم أتوجّه إليك من قرب قزوين ؟
ألم أقل أنك طبيبي لا غير ؟ أتمسّكت بسواك في هذين الشهرين اللذين سرت في البراري والقفار مع ما بي من الأوجاع والأمراض ، وأنت خبير بما يجري عليّ . فلم لا تشفيني ؟ فو جدّك وأبيك - عليهما الصلاة والسلام - لم يبق لي طاقة أنشدك بالملحود عند رجليك إلا شفيتني أو ألحقتني بك ، فإن مرضي ليس واحدا فأصبر ، وكيف أتحمّل وهو بهذه الكثرة يا ابن رسول اللّه ؟ وعدني السيد حسين البهبهاني أن يذهب بي إلى الطبيب ، فو حق جدك لو علمت يقينا أنهم يشفوني لا أذهب عن بابك إلى بابهم . أسألك بحق جدك وشهادة أبيك إلا ما تشفيني أو تسأل موتي .
ثم اشتدّت حالي ، فدخلت الحرم ولزمت الشباك من طرف الرأس ، وقلت والعين تسحب كالسحاب : يا ابن رسول اللّه ! إني أسألك الشفاء ، فإن لم تشفني وأنا في هذه الحالة فإلى أين أذهب ؟ وإني لا أفارقك إلا أن تشفيني أو تخلّصني من الحياة . ثم أقسمت عليه بولده وأخيه المقتولين ، ثم قلت : بحقك وبحق جدك وأمك - صلوات اللّه عليهم - إن أعرضت عني أذهب إلى الحجرة ولا أخرج منها إلى أن أموت .
وعند ذلك لم يبق في يدي حسّ فجلست ، ثم خرجت آيسا وجئت إلى الصحن عند الشباك الذي يلي سمت الرأس فقلت : أستريح ساعة ثم أرجع إلى الحجرة وقد مضى من الليل تسعة ساعات . فتغطّيت بعبائي واضطجعت فملكتني عيناي ، فرأيت في المنام كأني نائم في الحجرة ، فهتف بي شخص وقال : قم فهذا وقت الزيارة ، فقلت : ليس لي حالة وقد رجعت الآن من الزيارة ويضيق نفسي ويوجع بطني وظهري ولا أتمكّن من حركة رجلي ويؤذيني وجع ظهاري ، فقال ثانيا : قم فإن هذه الساعة وقت الزيارة . فلما رأيت إصراره ، قمت وفتحت باب الحجرة وأتيت إلى صحن المدرسة ، رأيت الدنيا مضيئة فقلت : لقد نمت حتى صار النهار وشكرته على إيقاظه وخرجت منها .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 495
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٤٩٥