فتوجّهت إليه آيسا من الحياة عازما على الموت . ولما دخلته ورأيت كثرة الناس ، عدلت إلى سمت الرجلين ولزمت الشباك المطهر وقبّلته . فازدحم الناس وكادوا أن يطؤوني بأرجلهم ، فرفعت يدي ورجعت إلى الجدار واتّكيت به قليلا . فرأيت نفسي لا تطيق ذلك ، فخرجت إلى الإيوان وجلست لأن أستريح ساعة . فانعقدت صلاة الجماعة وأخرجوني من بين الصفوف ، فجئت إلى الصحن عندما يلي الرأس واسترحت فيه مقدار ساعة ونصف فسكنت أعضائي قليلا . ثم وضعت نعلي وجورابي هنا وعدت إلى الحرم ، فرأيت الكثرة كالأول . فذهبت من طرف الشهداء إلى المسجد الذي في الخلف عند منجنيق كان في تلك الأيام هناك ، وأسندت إليه ظهري وصلّيت .
ثم انقلبت حالي ورأيت لا يمكنني التمدّد والنوم ولا ينبغي ذلك فيه ، فعدلت إلى سمت الرأس وأتعبت نفسي في الوصول إلى الشباك . فازدحم الناس وعصروني ، فخرجت إلى الإيوان ووقعت في الأرض كالمغشيّ وأتأوه وأشتكي ، وكان الناس يمرّون بي ويسألون عن توجّعي واستغاثتي وأقول : خلّوني وما بي ، فإني مريض غريب ليس لي ممرّض وطبيب .
وكانت الليلة ليلة باردة ، فأثّرت البرودة في أعضائي . فعدت إلى الرواق وقد مضى من الليل قريب من خمس ، وقلت : إن حبيب بن مظاهر شخص جليل ، ولا شك أنه عند اللّه حبيب وعند صاحب القبة المطهرة المنورة حبيب ، فأتوسّل به لعله يشفع لي .
فالتزمت شباكه باليدين وكنت أتضرّع وأبكي وأقول : أنا دخيلك يا حبيب ، وكان الدمع يجري من عيني كالمطر الوابل إلى ساعة ونصف ولم يبق لديّ قوة ، فعدلت إلى الجدار لأستريح قليلا . فوقع نظري إلى المقتل ، فنحوت إليه ونزلت من الدرج . فلما وقفت عليه ، خنقتني العبرة وسبقتني الدمعة . فقعدت عنده أبكي وأتضرّع فتغيّرت حالي ، فطرحت نفسي فيه وكنت لا أجسر قبله ، ومسحت أعضائي بأرضه المطهرة ومسست جوارحي بتربته الطيبة وأكلت قليلا من غبار المحل .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 494
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٤٩٤