الثوب تمزيق كثير من أثر السيوف وطعنات الرماح ، والمرأة جالسة على حافة الغدير وهي تغسل ذلك الثوب من الدم وتتأمل الخروق التي في الثوب وتبكي بكاء شديدا عاليا وتصرخ صراخا مرتفعا .
ثم ترجع النظر إلى الثوب وتعاود فركه وغسله من الدم ، والدم على ما بان لي دم عبيط يابس والثوب بغاية البياض ، وقد فاحت من ذلك الثوب روائح أذكى من روائح العنبر ، والمرأة ذات بهاء وهيبة وكلامها ليس بكلام الآدميين ، وهيبتها يتصدّع منها قلب الشجاع العظيم ، وكلامها كأنه طعن الرماح وضرب السيوف ، وبكاؤها يفجع الصخر الأصم ، واستغاثتها وندبتها تكاد أن تنطبق منه السماء على الأرض .
وأسمعها تقول : وا غوثاه بك يا أباه ! أما ترى ما فعلت أمتك فينا ؟ أما أنا - يا أباه - فقد ضيّعوني حقي ، وطردوني من بيتي ، وضربوني على جنبي ، وأخذوا ميراثي ، ودفعوني عن نحلتي ، وردّوا عليّ شهادتي ، ومزّقوا كتابي الذي كتبته على نحلتي ، وصغّروا قدري ، وو لووا أعناقهم عني ، وغمضوا أعينهم عن صدق دعواي ، وسدّوا آذانهم عن استماع كلامي ، وخذلوني وما نصروني ، وأعانوا عليّ وما أعانوا لي .
وما كفاهم ذلك - يا أبي - حتى أجمعوا حطبا وأداروا حول بيتي ليحرقوني مع أولادي .
فلما رأيتهم - يا أباه - مصرّين على حرق بيتي ، فتحت لهم الباب ولذت عنهم خلفه .
فعصروني ما بين الحائط والباب عصرة كادت روحي أن تخرج منها . فأسقطوني جنيني الذي كنت سمّيته المحسن .
وما كفاهم ذلك حتى أتوا على ابن عمي ؛ حبيبك الذي ربّيته صغيرا واجتبيته كبيرا وجعلته أميرا كما جعله اللّه كذلك ، وقبضوا عليه ووضعوا حمائل سيفه في عنقه وقادوه كما يقاد الجمل الهائج ، ولولا أمرك ومحافظته لوصيتك وقيامه على أوامرك ونواهيك ، لسقى أولهم بكأس آخرهم .
يا أبتاه ! فلما رأيت ما فعلوا بابن عمي ، انقطعت أوصالي وانصرمت حبالي ، ولفّفت خماري على رأسي ولبست إزاري ، وأتيت نحو القوم وقلت لهم لعلهم يراعون قرابتي
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 486
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٤٨٦