تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
فلما سمعت ذلك ، طار عقلي وذهب لبّي لأني سمعت كلاما ما سمعته من أحد من الناس . فنظرت إليه وحقّقت النظر منه ، فإذا هو مقابلها من الجانب الشرقي ، عليه جبّة خزّ دكناء ، ونحره يسيل دما طريا وهو من غير رأس وكلامه يخرج من منحره ، وهو يقول : يا أماه ! قلت لهم : إن جدي محمد المصطفى صلى اللّه عليه وآله ، وأبي علي المرتضى عليه السّلام ، وأمي فاطمة الزهراء عليها السّلام ، وجدتي خديجة الكبرى ، وأخي الحسن الرضي عليه السّلام . فلم يسمعوا كلامي ولم يرعوا مقامي ، وقد سدّوا عليّ شرائع الفرات كلها وأباحوا ماءها للكلاب والخنازير وتنادوا بينهم على من يشرب الماء بالإناء خوفا أن تدرك أحدا منهم الرقة عليّ وعلى بناتي وأولادي ونسائي . فيسقوه الماء وكبوني على منحري في التراب ، وذبحوني من قفاي ، وداسوا صدري بحوافر خيولهم من بعد ما قطعوا رأسي ، وأضرموا النار في خيامي على أطفالي وعيالي ، وسلبوا بناتي ، وسحبوا أخواتي ، وأخذوا ملاحفهنّ ، ونهبوا أرديتهنّ ، وخرموا آذانهنّ ، وضربوا جنوبهنّ . فتعجّبت من كلامه لها وأنا قد تداخلني خوف عظيم ، فقلت : ليتني أعرف هذه المرأة وهذا المتكلم ! لكن المرأة أقرب إليّ منه . فكلما أهمّ أن أقرب إليهما وأسألها ، تمنعني الهيبة من التجسّر عليها وتردّني الجلالة عن مسألتي إياها ، فقلت : ان لا بد من سؤالها ، فقلت : أستعين باللّه . فتجاسرت ودنوت وأنا أقدّم رجلا وأؤخّر أخري . فلما صرت قريبا من حافة الغدير ، سلّمت عليها فردّت عليّ السلام وهي مختنقة بعبرتها . فقلت لها : سألتك باللّه من تكونين ؟ وما هذا الثوب الممزّق الملطّخ بالدم ؟ ومن هذا الذي يخاطبك وهو بغير رأس ؟ وما هذا الذي يسيل منه ؟ فزادت حسرتها واشتعلت زفراتها وانتحبت نحيبا عاليا مترادفا ، واختنقت وقالت : سألتني عظيما وطلبت مني أمرا جسيما . أنا أمّ هذا الشهيد المظلوم ، أنا بنت نبي هذه الأمة صلى اللّه عليه وآله ، أنا فاطمة الزهراء ، أم الحسين عليه السّلام الذي قتلته أمة جده من بعدنا واستوحدوه حين متنا . ثم على نحيبها ، وإذا بنساء أقبلن من بين تلك الأشجار كأنهن الشموس الطالعة وهي من غير ستر ولا شعار ، وجلسن حول ذلك الجالس الذي من غير رأس ؛ ناشرات شعورهنّ ، مفجّعات بندبهنّ .