تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
هجر « 1 » ، قال : كنت ملازما ومواظبا على استماع مراثي الحسين عليه السّلام والتردّد على المآتم ليلا ونهارا ، ولا يشغلني شاغل ولا يمنعني عنها مانع . فبينما أنا ذات ليلة جالس في مجلس الاستماع - وكانت ليلة التاسعة من المحرم - وقد بكيت بكاء شديدا على ما جرى على الحسين عليه السّلام وعلى أولاده وعلى أصحابه وعلى نسائه وبناته ، من التعطيش والتسليب والذبح وتشريح اللحم وقطع الأيدي وتقطيع الأوصال وتعليق الرؤوس على الرماح وسبي البنات وضرب الأمهات . فتعبت من كثرة البكاء ، فقمت من مقامي وجلست ناحية من المأتم وأنا حزين كئيب . فأخذني النوم ، فرأيت طيفا عظيما ، فكأني في بستان عظيم كالجنة ، وفيها من أنواع الأشجار والأثمار والطيور على أغصانها تغرد ؛ وتغريدها كأنها نياحة الثواكل ، وهي تتجاوب وتردّد التغريد وتبكي . فقلت : سبحان اللّه ! هذه الطيور الحسنة ممّ شجاؤها ، على أيّ شيء بكاؤها ؟ وهي في مثل هذه الألوان على هذه الأغصان تبكي وتنوح وتأنّ ، وهي لابسة ملابس الحداد ، متردّية بأردية السواد ، ولا يكون اجتماعها وندبها إلا على مولاي الحسين عليه السّلام . فبينما أنا واقف أستمع سجع الأطيار وقد ذهب لبّي وجدّدت عليّ أحزاني ومصيبتي ، وإذا أنا أسمع بكاء ونحيبا وشيجا مختلفا عاليا واستغاثة عظيمة وصوتا من بين تلك الأطيار جهرا ، كادت أضلاعي أن تنطبق على أمعائي حين سمعته . فقلت في نفسي : لا شك أن البستان من بساتين الجنة ، وقد سمعنا أن الجنة لا يكون فيها نصب ولا همّ ولا غمّ ولا حزن ولا بكاء ولا غير ذلك من هموم الدنيا . فيا ليتني عرفت هذا البكاء وعلى من ! ويا ليتني عرفت هذا الباكي . ثم إني مشيت خطوات من غير قصد لا علم بالباكي من أيّ جهة ؟ فطلبت الصوت يمينا وشمالا ، وإذا أنا بغدير ماء لا يرى ساحله ؛ وذلك الغدير كأن ماءه بطون الحيّات ، وعلى حافته امرأة كأنها الشمس الطالعة ، وفي يدها ثوب أبيض صافي البياض ، وفي ذلك
هامش
( 1 ) « هجر » - محركة - بلد باليمن ، واسم لجميع أرض البحرين .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 485 | اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني