قال النصراني : وقد ظنت النساء بأن سبب هذا البكاء وتجديد هذا العزاء مني .
فأتتني واحدة من تلك النساء وقالت : يا ويلك يا هذا ! قد هيّجت على هذا العبد الصالح أحزانا كامنة في قلبه وعبرة منكسرة في صدره . وأرادت تخرجني من البيت ، فمنعها الإمام .
فبينما الإمام في بكائه وحنينه على ما ذكرت له ، وإذا بصبي قد أتى إليه وجلس إلى جانبه وقال : يا أبتاه ! على من هذا البكاء ولمن هذا العزاء ؟ قال : نعم يا بني ، هذا الرجل النصراني يذكر أنه رأى في منامه رأس جدك الحسين عليه السّلام ورؤوس أولاده وأهل بيته ورؤوس إخوته وبني أخيه ونسائه وأطفاله ، يدار بهم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان ومن سكّة إلى سكة .
فبكى الصبي ولطم على خده وصاح بأعلى صوته : يا جداه ، وا حسيناه ، وا غريباه ، وا مظلوماه ، يا ليتني قد قتلت بين يديك . يا جداه ، يا ليتني قد جرعت كأس الردى دونك .
يا جداه ، يا ليتني كنت لك الفداء وروحي لروحك الوقاء . وإذا بجارية أتت إليه وحملته على صدرها وجلست ناحية عن أبيه من شفقتها عليه ، وجعلت تمسح الدم عن وجهه ، وتعزّيه فلا يتعزّ وتسلّيه فلا يتسلّ .
ورأيت أيضا شخصا كبيرا وقد جلس على البيت من خارج الباب ، وهو يلطم على خديه ويصيح ويندب بأعلى صوته : وا قوماه ، وا أهلاه ، وا حسناه ، وا حسيناه ، وا جعفراه ، وا عقيلاه ، وا حمزتاه . وجعل يقوم ويجلس وينتحب ويبكي .
قال النصراني : فرأيت علي بن الحسين عليه السّلام قد تغيّرت أحواله ، فأمسكت عن الكلام .
فالتفت إليّ الإمام عليه السّلام وقال لي : تمّم المنام يرحمك اللّه .
قلت : يا سيدي ، وإما ما كان من الجارية الحسناء ، فإنها أخذت الرأس الشريف ووضعته في حجرها ، وهي تشمّه تارة وتلثمه أخرى ، والنساء تعزّونها على ما أصابها وجرى عليها . وإذا بشخص قد أقبل عليهنّ من صدر البرية ، وهو جثة بلا رأس والدم يجري من نحره على جميع بدنه . ولما قرب - يا سيدي - ذلك الشخص من النساء
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 482
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٤٨٢