ولما قربوا من تلك القبة البيضاء ، وقف الرجل الذي هو حامل الرأس الشريف .
فزجروه وأصحابه وضربوه وأخذوا الرأس الشريف منه ، وقالوا له : يا لكع الرجال ، قد عجزت عن حمله . قال : ولكن لم أر رجلا تساعفني عن المسير . فضربوه وأخذوا الرأس من عنده وناولوه رجلا آخر ، فوقف كذلك . فجعلوا يتناولونه واحد بعد واحد ، حتى نقلوه ثلاثون رجلا . واللّه أعلم يا سيدي والكل منهم ، لم يجد رجلا تساعفه على المسير .
فأخبروا بذلك أمير القوم ، فنزل عن فرسه وباقي القوم نزلوا كذلك ، وضربوا له خيمة أزهى من ثلاثين ذراع وجلس أمير القوم في وسط الخيمة والباقي من حوله ، وأتوا بتلك النساء والأطفال ورموهم على وجه الأرض بغير مهاد ولا فراش تصهرهم الشمس وتلفح وجوههم الريح ، ونصبوا الرماح التي عليها الرؤوس أمام تلك النساء والأطفال عمدا وقصدا لكسر خواطرهم وزيادة لما هم فيه من حرقة قلوبهم وتفتّت أكبادهم .
قال النصراني : يا سيدي ومولاي ، فجزعت لذلك جزعا شديدا ولطمت على وجهي ومزّقت أطماري لما شفني وشجاني وجلست قريبا من النساء والأطفال ، وأنا حزين القلب ، باكي العين . وإذا بالرمح الذي عليه الرأس الشريف قد مال مما يلي القبة البيضاء ونطق بلسان طلق ذلق :
يا أبتاه يا أمير المؤمنين ، يعزّ عليك ما أصابني وجرى علينا من القتل والذبح . يا أبتاه ، قتلوني واللّه عطشانا ، ظمآنا غريبا وحيدا ذبيحا كذبح الكبش . يا أبتاه يا أمير المؤمنين ، رضوا جسمي بسنابك الخيل . يا أبتاه ، ذبحوا أطفالي وسبوا عيالي ولم يرحموا حالي .
وسمعت أيضا الرأس الشريف يوحّد اللّه ويتلو آيات من القرآن . فزاد على جزعي وقلت في نفسي : إن صاحب هذا الرأس الشريف لذو قدر عند اللّه وشأن عظيم ، فمال قلبي إلى محبته والموالاة به .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 480
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٤٨٠