قال : رأيت يا سيدي كأني خرجت من بيتي قاصدا لزيارة بعض الإخوان ، وإذا بي قد تهت عن طريقي ، فحار فكري وضاع ذهني وانسدّت الطرق في وجهي ولم أدر أين أتوجّه .
فبينما في حيرة من فكري ، وإذا من خلفي زعقات وصرخات وتكبير وتهليل وأصوات عالية قد ارتفعت . فالتفتّ إلى ورائي وإذا بخيل وعسكر وأعلام منشورة ورؤوس على رؤوس الرماح مشهورة ، ومن وراء الخيل والعسكر عجاف من الجمال ، عليها نساء مسلبات وأطفال موثوقات وأثاث بيوت محملات ، وبين تلك النساء والأطفال غلام شاب راكب على جمل أضلع وهو في غاية الضرّ والعناء ورأسه ويداه مغلولتان إلى عنقه بجامعة من حديد وفخذاه يشخبان دما ودموعه تجري على خدّيه ، وكأنه أنت يا سيدي يا علي بن الحسين عليه السّلام .
وكل من تلك النساء والأطفال تلطم وجهها وخديها وتصيح بأعلى صوتها وتقول :
وا محمداه ، وا علياه ، وا فاطمتاه ، وا حسناه ، وا حسيناه ، وا مقتولاه ، وا مذبوحاه ، وا غريباه ، وا ضيعتاه ، وا كرباه . فخنقتني العبرة ورقّ قلبي ودمعت عيناي لحال تلك النساء . فآنست وحشتي بهم ، وجعلت أبكي لبكائهم وأسير لمسيرهم .
فبينما هم سائرين ، إذ لاحت لهم قبّة بيضاء من صدر البرية كأنها شمس مضيئة ، وكان أمام القفل ثلاثة من النساء . فلما رأين القبة البيضاء ، وقعن من ظهور الجمل إلى الأرض ، فحثين التراب على رءوسهنّ ولطمن على خدودهن وقلن : وا حسناه ، وا حسيناه ، وا غربتاه ، وا ضيعتاه ، وا قلة ناصراه .
فلحق بهنّ رجل كوسج اللحية ، أزرق العينين وضربهنّ وركبهنّ كرها . فرأيت - يا سيدي ومولاي - واحدة منهنّ - وأظنّها أكبر سنّا - يتقاطر الدم من تحت قناعها من شدة وجدها وحزنها على ما هي فيه ، وكان - يا سيدي - أمام الرؤوس رأس له نور يزهر ، يغلب على شعاع الشمس والقمر .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 479
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٤٧٩