حصل لك بالإخراج من الجنة كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى ، وإن كان فاتك في السماء زجل المسبحين فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين ، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم ، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار ، وأنين المذنبين يزينه الانكسار ، « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم » « 1 » .
سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا ، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده وكان عليه وبالا ، لقن اللّه آدم حجته ، وألقى عليه ما تقبل به توبته ، وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته ، فصار عمله هباء منثورا
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
« 2 » إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة ، وإذا بسط فضله على عبد لم يبق له سيئة .
انظر لما ظهرت فضائل آدم - عليه الصلاة والسلام - على الخلائق بالعلم ، وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه ، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة ، إنما هي دار نعيم ومشاهدة ، قيل له : يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد ، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد ، وكأنك بالعيش الماضي وقد عاد على أكمل من ذلك المعتاد .
ولما أظهر إبليس - عليه اللعنة - الحسد ، سعى في الأذى ، حتى كان سببا في إخراج السيد آدم من الجنة ، وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله ، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول .
قالوا : وفيه إشارة ، كأنه تعالى يقول : لو غفرت في الجنة لما تبين كرمى ، بأنى أغفر لنفس واحدة ، بل أخرجه إلى الدنيا ، وآتى بألوف من العصاة حتى أغفر له ولهم ليتبين جودي وكرمى . وأيضا : علم اللّه تعالى أن
هامش
( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2749 ) في التوبة ، باب : سقوط الذنوب بالاستغفار ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .
( 2 ) سورة الحجر : 34 ، 35 .