تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
وقال مجاهد « 1 » : بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء ، وأنبت اللّه من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب ، وبكت حواء حتى أنبت اللّه من دموعها القرنفل والأفاوى . يا بني آدم ، انظروا كيف بكى أبوكم آدم على فعلة واحدة ثلاثمائة سنة ، فكيف بكم يا أرباب الكبائر العظيمة ؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار ، كان كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقا إلى الأوطان ، وتذكر العهد والجيران ، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب : هذا فراق بيني وبينك ، فيا ذا العقل السليم ، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة ، فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة ، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته . فإن قلت : هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة ، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء ، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه ما جرى بسببها ، من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك ؟ أجاب الزمخشري « 2 » : بأنها ما كانت إلا صغيرة ، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الطاعات ، وأعظم الأعمال ، وإنما جرى عليه ما جرى تعظيما للخطيئة ، وتفظيعا لشأنها وتهويلا ، ليكون ذلك لطفا له ولذريته في اجتناب الخطايا ، واتقاء المآثم . يا هذا ، انظر كم للّه من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض ، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين ، واجتهاد العابدين المجتهدين ، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين ، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين ، يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب ، أجيب دعوة الداع ، إن كان
هامش
( 1 ) هو : مجاهد بن جبير ، شيخ القراء والمفسرين ، روى عن ابن عباس ، وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه ، مات وهو ساجد سنة ( 102 ه ) . ( 2 ) هو : كبير المعتزلة ، أبو القاسم ، محمود بن عمر بن محمد الزمخشري النحوي ، صاحب « الكشاف » و « المفضل » ، كان رأسا في البلاغة والعربية والمعاني والبيان ، كما كان داعيا إلى الاعتزال ، مات سنة ( 538 ه ) .