« أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع » ثم خرج من باب العريش وهو يتلو
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
« 1 » « 2 » .
فإن قلت : كيف جعل أبو بكر يأمره - عليه الصلاة والسلام - بالكف عن الاجتهاد في الدعاء ويقوى رجاءه ويثبته ، ومقام الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - هو المقام الأحمد ، ويقينه فوق يقين كل أحد ؟
أجاب السهيلي نقلا عن شيخه : بأن الصديق في تلك الساعة كان في مقام الرجاء ، والنبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في مقام الخوف ، لأن للّه تعالى أن يفعل ما يشاء ، فخاف أن لا يعبد اللّه في الأرض ، فخوفه ذلك عبادة . انتهى .
وقال الخطابي : لا يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - في تلك الحالة ، بل الحامل للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم ، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة ، فلما قال له أبو بكر ما قال ، كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة ، فلهذا عقبه بقوله :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
« 3 » .
وقال غيره : وكان النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في تلك الحالة في مقام الخوف ، وهو أكمل حالات الصلاة ، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة ، وإنما كان مجملا . هذا هو الذي يظهر من بادئ الرأي .
وإنما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد بعد اليوم » « 4 » لأنه علم أنه خاتم النبيين ، فلو هلك هو ومن معه حينئذ ، لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان .
هامش
( 1 ) سورة القمر : 45 .
( 2 ) صحيح : وهو عند البخاري ( 2915 ) في الجهاد والسير ، باب : ما قيل في درع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - ، من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - ، إلا أنه فيه بلفظ غريب من ذلك
( 3 ) سورة القمر : 45 .
( 4 ) صحيح : وقد تقدم قريبا .