فأكرموا كريمهم - يعني : محسنهم - وتجاوزوا عن مسيئهم » .
ثمّ قال [ صلّى اللّه عليه وسلّم ] : « إنّ عبدا خيّر بين الدّنيا وبين ما عند اللّه . . فاختار ما عند اللّه » ، فبكى أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه ، وظنّ أنّه يريد نفسه .
فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « على رسلك يا أبا بكر ، . .
شرح
لا يلحقهم فيه اللّاحق ، ولا يدرك شأوهم السّابق ( فأكرموا كريمهم » - يعني :
محسنهم - وتجاوزوا عن مسيئهم » ) في غير الحدود . ( ثمّ قال :
« إنّ عبدا خيّر ) - من التّخيير - ( بين الدّنيا وبين ما عند اللّه ) في الآخرة ؛ ( فاختار ) ذلك العبد ( ما عند اللّه » . فبكى أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه ، وظنّ ) ؛ أي : فهم ( أنّه ) ؛ أي : النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ( يريد ) بهذا الكلام ( نفسه ) صلى اللّه عليه وسلم فقال أبو بكر الصّدّيق رضي اللّه تعالى عنه : فديناك بآبائنا وأمّهاتنا .
قال الرّاوي : فعجبنا لبكائه ! وقال النّاس : متعجّبين : انظروا إلى هذا الشّيخ ؛ يخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن عبد خيّره بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ؛ وبين ما عنده ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمّهاتنا ! ؟ .
قال الرّاوي : فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو المخيّر ، وكان أبو بكر أعلمنا به ؛ ذكره في البخاري .
( فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك ؛ يا أبا بكر ) تسلية له ، إذ خفي المعنى على كثير ممّن سمع كلامه ، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصّيص به ؛ ثاني اثنين إذ هما في الغار ، وكان أعلم الأمّة بمقاصد النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلمّا فهم المقصود من هذه الإشارة بكى ؛ وقال « بل نفديك بأموالنا ؛ وأنفسنا ؛ وأولادنا » .
فسكّن الرسول صلى اللّه عليه وسلم جزعه ، وأخذ في مدحه ، والثّناء عليه على المنبر ، ليعلم النّاس كلّهم فضله ؛ فلا يقع عليه اختلاف في خلافته ، فقال : « إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوّة الإسلام » .