فأفرجوا له ، فجاء حتّى أكبّ عليه ومسّه فقال :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر : 30 ] .
ثمّ قالوا : يا صاحب رسول اللّه ؛ أقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : نعم ، فعلموا أن قد صدق .
شرح
رضي اللّه تعالى عنه فلم يكلّم النّاس ، لأنّ المراد لم يكلّمهم بغير هذه الكلمة .
( فأفرجوا له ) ؛ أي : انكشفوا عن طريقه ( فجاء حتّى أكبّ عليه ) فوجده مسجّى ببرد حبرة ، فكشف عن وجهه الشّريف . ( ومسّه ) أي : قبّله بين عينيه ، ثمّ بكى ، وقال : بأبي أنت وأمّي ؛ لا يجمع اللّه عليك موتتين ، أمّا الموتة الّتي كتبت عليك فقد متّها ؛ كذا في البخاريّ . وقصد بذلك الردّ على عمر فيما قال ، إذ يلزم منه أنّه إذا جاء أجله يموت موتة أخرى ، وهو أكرم على اللّه من أن يجمع عليه موتتين ، كما جمعها على الّذينخَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ[ 243 / البقرة ] .
( فقال ) ؛ أي : قرأ استدلالا على موته صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ( 30 ) [ الزمر ] يعني : قد أخبر اللّه عنك في كتابه : أنّك ستموت ، وأنّ أعداءك أيضا سيموتون ،ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ( 31 ) [ الزمر ] فقوله حقّ ، ووعده صدقفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ[ 32 / الزمر ] وقد قال المفسرون - في قوله تعالىوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( 33 ) [ الزمر ] : - إنّ الجائي بالصّدق هو النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، والمصدّق أبو بكر ، ولذا سمّي ب « الصّدّيق » رضي اللّه تعالى عنه .
( ثمّ قالوا : يا صاحب رسول اللّه ؛ أقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! ! قال : نعم .
فعلموا أن ) ؛ أي : أنّه ( قد صدق ) في إخباره بموته ، لاستدلاله بالآية الّتي ذكرها ، لما عنده من نور اليقين .