- وهو يقول : « أنا النّبيّ لا كذب ، أنا ابن عبد المطّلب » ، فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه .
شرح
ومسارعته ، وأشفقا عليه بمقتضى المحبّة الإسلامية والرحم .
( وهو يقول : « أنا النّبيّ ) حقّا ( لا كذب ) في ذلك ، أو والنبي لا يكذب ، فلست بكاذب حتّى أنهزم ، ( أنا ابن عبد المطّلب » )
قال الخطّابي : خصّه بالذّكر ! ! تثبيتا لنبوّته وإزالة للشكّ ، لما اشتهر من رؤيا عبد المطّلب المبشّرة به صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما أنبأت به الأحبار والكهان ، فكأنه يقول : أنا ذاك ، فلا بدّ مما وعدت به ؛ لئلا ينهزموا عنه ، أو يظنّوا أنّه مغلوب ، أو مقتول .
فليس من الفخر بالآباء في شيء ، وليس بشعر ؛ وإن كان موزونا ، لأنّه لم يقصده ، ولا أراده ، وهما من شرط كونه شعرا ، وهذا أعدل الأجوبة .
ولا يجوز فتح الباء الأولى [ كذب ] ، وكسر الثانية [ المطّلب ] ، ليخرج عن الوزن ، لأنّه تغيير للرواية بمجرّد خيال يقوم في النفس ، ولأنّه وقع في إشكال أصعب مما فرّ منه ، لأن فيه نسبة اللّحن إلى أفصح الفصحاء ، فالعرب لا تقف على متحرّك . انتهى « زرقاني » .
وهذا يعدّ في غاية ما يكون من الشجاعة التامّة ، لأنّه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى ، وقد انكشف عنه جيشه ، وهو مع هذا على بغلة ؛ ليست بسريعة ، ولا تصلح لكرّ ولا فرّ ولا هرب ، فركوبها وركضها إلى وجوههم مع التنويه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه : كلّ ذلك دليل النهاية في الشجاعة والثبات وعدم المبالاة بالعدوّ ، وأنّ الحرب عنده كالسّلم ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، كما قال :
( فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه ) ، أي : لم ير في حرب هوازن أقوى ؛ وأشجع من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد ركب بغلته ؛ وقد ظاهر عليها درعا ومغفرا ، وطاف على الصفوف يحضّهم على القتال ويبشّرهم بالفتح ؛ إن صدقوا وصبروا ، وكانوا