أن تواضعوا ، ألا فتواضعوا حتّى لا يبغي أحد على أحد ، ولا يفخر أحد على أحد ، . . .
شرح
إلهام ! ! خلاف الأصل ؛ وخلاف الظاهر بغير دليل ، والوحي : إعلام في خفاء .
( أن تواضعوا ) أي : تواضعكم ، أي : آمركم به ( ألا فتواضعوا ) بخفض الجناح ولين الجانب ( حتّى لا يبغي ) أي : لا يجور ولا يعتدي ؛ ( أحد ) منكم ( على أحد ) ولو ذمّيّا ؛ أو معاهدا ؛ أو مؤمّنا . والبغي : مجاوزة الحدّ في الظلم .
وذلك لأنّ من انكسر وتذلّل امتثالا لأمر اللّه عزّ وجلّ حال ذلك بينه وبين الفساد والوقوع في الظلم والاعتداء والعناد ، ف « حتّى » هنا بمعنى « كي » ؛ كما قال الطيبي ، فهو علّة للتواضع ، فيكون طريقا لترك البغي والتعدّي .
( ولا يفخر ) - بفتح الخاء المعجمة - والفخر : هو المباهاة بالمكارم والمناقب ؛ من حسب ونسب . . وغير ذلك ، سواء كان فيه ، أو في آبائه . أي : لا يباهي ( أحد ) بتعداد محاسنه ؛ كبرا ، ورفع قدره على الناس ؛ تيها وعجبا مستعليا بفخره ( على أحد ) ليس كذلك ، فالخلق من أصل واحد ، والنظر إلى العرض الحاضر الزائل ليس من شأن العاقل .
قال المجد ابن تيمية : نهى اللّه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم عن نوعي الاستطالة على الخلق ، وهما : البغي والفخر ، لأن المستطيل إن استطال بحقّ ؛ فقد افتخر ، أو بغير حق فقد بغى . فلا يحلّ هذا ولا هذا ، فإن كان الإنسان من طائفة فاضلة ؛ كبني هاشم ! ! فلا يكن حظّه استشعار فضل نفسه ، والنظر إليها ، فإنّه مخطئ ، إذ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص ، فربّ حبشيّ أفضل عند اللّه من جمهور قريش .
ثم هذا النظر يوجب بغضه وخروجه عن الفضل ؛ فضلا عن استعلائه بهذا .
واستطالته به .
وأخذ منه أنّه يتأكّد للشيخ التواضع مع طلبته ،وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( 215 ) [ الشعراء ] وإذا طلب التواضع لمطلق النّاس ؛ فكيف لمن له حقّ