المجلس ، ويأمر بذلك ، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه ، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه .
شرح
( المجلس ) أي : يجلس في أيّ مكان يلقاه خاليا ، ولا يترفّع على أصحابه لمزيد تواضعه ومكارم أخلاقه ، حيث لم يتكلّف خطوة زائدة على الحاجة لحظّ نفسه حتى يجلس في صدر المجلس .
ولأن القصد من قطع الطريق وتعب المشي للبلوغ والوصول إلى القوم ، فإذا وصل إلى أوّلهم كان المشي بعد ذلك عبثا وتكبّرا لا يليق بحال العاقل ؛ فضلا عن الفاضل ؛ فضلا عن أفضل الناس ! !
( ويأمر بذلك ) أي : بالجلوس حيث ينتهي به المجلس ؛ إعراضا عن رعونة النفس وأغراضها الفاسدة .
وقد ورد أمره بذلك فيما رواه الطبرانيّ ، والبيهقيّ ؛ عن شيبة بن عثمان مرفوعا : « إذا انتهى أحدكم إلى المجلس ؛ فإن وسّع له فليجلس ، وإلّا فلينظر إلى أوسع مكان يراه ؛ فليجلس فيه » .
وبالجملة فقد ثبت مشروعية ذلك فعلا وأمرا .
( يعطي كلّ ) واحد من ( جلسائه بنصيبه ) ، أي : شيئا بقدر نصيبه ؛ أي :
حظّه من البشر والطلاقة والكرامة والتعليم والتفهيم ؛ بحسب ما يليق به ، فالمفعول الثاني مقدّر . وقيل : إن الباء زائدة في « بنصيبه » الذي هو المفعول الثاني للتأكيد .
( لا يحسب ) - بفتح السين وكسره ؛ أي : لا يظنّ - ( جليسه ) الإضافة للجنس ؛ فيشمل كلّ واحد من مجالسيه ( أنّ أحدا ) من أمثاله وأقرانه ( أكرم عليه ) صلى اللّه عليه وسلم ( منه ) ؛ أي : من نفسه .
وذلك لكمال خلقه وحسن معاشرته لأصحابه ، فكان يظنّ كلّ واحد منهم أنّه أقرب من غيره إليه ، وأحبّ الناس عنده ، لما تبيّن له من عظيم بشره وتقريبه .
وهذا هو الكمال الأعظم !