من جالسه أو فاوضه في حاجة . . صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة . . لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول .
قد وسع النّاس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا . . .
شرح
( من جالسه ) أي : جلس معه ، ( أو فاوضه ) ؛ أي : شرع معه في الكلام في مشاورة أو مراجعة ( في حاجة ) له ، و « أو » للتنويع ؛ خلافا لمن جعلها للشكّ .
( صابره ) ؛ أي : غلبه في الصبر على المجالسة ، أو المكالمة فلا يبادر بالقيام من المجلس ، ولا يقطع الكلام ، ولا يظهر الملل والسامة ، بل يستمرّ معه ( حتّى يكون ) أي : المجالس ؛ أو المفاوض ( هو المنصرف عنه ) صلى اللّه عليه وسلم ، لمبالغته في الصبر معه .
( ومن سأله ) صلى اللّه عليه وسلم أيّ إنسان كان ( حاجة ) أيّة حاجة كانت ؛ ( لم يردّه ) أي :
السائل ( إلّا بها ) إن تيسّرت عنده ، ( أو بميسور من القول ) ؛ إن لم تتيسر لفقد ؛ أو مانع يقتضيه .
وهذه قضية مانعة خلوّ ؛ أي : لا يخلو حاله حين يسأل من إعطاء المسؤول ، أو الرّد بسهولة ولين قوله ، ليكون ذلك مسلاة له عن حاجته .
وهذا من كمال سخائه ومروءته وحيائه . وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالىوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً( 28 ) [ الإسراء ] ومن ذلك الميسور أن يعد السائل بعطاء إذا جاءه شيء ؛ كما وقع له مع كثيرين ، ولذلك قال الصدّيق رضي اللّه تعالى عنه - بعد استخلافه ؛ وقد جاءه مال - : من كان له عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عدة فليأتنا ، فأتوه فوفّاهم .
( قد وسع ) - بكسر السين ؛ أي : عمّ - ( النّاس ) أجمعين حتّى المنافقين ( بسطه ) أي : بشره وطلاقة وجهه ( وخلقه ) أي : حسن خلقه الكريم ، لكونه صلّى اللّه عليه وسلم يلاطف كلّ واحد بما يناسبه ، ( فصار لهم ) أي : للناس ( أبا ) في الشفقة والرحمة ، وأعظم من أب ، إذ غاية الأب أن يسعى في صلاح الظاهر ؛ وهو صلّى اللّه عليه وسلم