السّرّ بالسّرّ ، والعلانية بالعلانية » ) .
شرح
لا يكون ذلك الذنب من المكفّرات ؛ كإنكاره علم اللّه تعالى بالجزئيات ، وإلّا كفر مرتكبه قطعا ، وأن لا يكون مستحلّا له وهو معلوم من الدين بالضرورة ؛ كالزنا ، وإلّا ! كفر مرتكبه باستحلاله لذلك ، خلافا للخوارج ، فالكبيرة عندهم موجبة للكفر .
وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين ؛ صاحبها لا مؤمن ولا كافر ، وهذا في ارتكابها ؛ لا عن اعتقادها ، لأنّه لو اعتقد حلّ بعض المحرّمات المعلومة من الدين بالضرورة ؛ كالخمر كفر بلا خلاف ، فمرتكب الكبيرة مخلّد عند الفريقين ، ويعذّب عند الخوارج عذاب الكفّار ، وعند المعتزلة يعذّب عذاب الفسّاق .
والحقّ ما عليه أهل السنّة من أن الكبيرة لا تخرج العبد من الإيمان ، ولا تدخله في الكفر ، ولا تخلّده في النار ، ولا تحبط طاعته .
ومما يردّ على المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة : ما نطق به القرآن في مواضع ؛ منها قوله تعالىإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء / 48 ] ؛ أي : من جميع الذنوب الكبائر والصغائر غير الشرك ، فلا ريب عند أهل الحقّ أنّ من مات موحّدا لا يخلّد في النّار ؛ وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب ، وقد جاءت به الأحاديث الصّحيحة ؛ منها : قوله عليه الصلاة والسلام : « وإن زنى وإن سرق » .
وباجتناب الكبائر تغفر الصّغائر ، وأما الكبائر ! فلا يكفّرها إلّا التوبة الصحيحة المستحقّة للشروط المقدّم ذكرها ، انتهى ملخصا .
( السّرّ بالسّرّ ، والعلانية بالعلانية » ) . يعني : إذا أذنبت سرّا ؛ فتوبتك تكون سرّا ، وإذا أذنبت جهرا فتوبتك تكون جهرا ، وهذا ليس بشرط ، وإنّما ذلك للمناسبة بين الذنب والتوبة ؛ لأنّ التوبة لا يشترط فيها الجهر والإعلان ؛ كما لا يشترط فيها الإسرار ، لأنها تحصل بمجرّد عقد القلب ، وقد ورد في الحديث :
« النّدم توبة » .