فما منّا من أولئك السّبعة أحد . . إلّا وهو أمير مصر من الأمصار ، وستجرّبون الأمراء بعدنا .
شرح
المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك أنّ أهل المدينة كانوا في شظف من العيش ، عندما قدم عليهم المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم مع المهاجرين ، وكان المهاجرون فرّوا بدينهم ، وتركوا أموالهم وديارهم ، فقدموا فقراء على أهل شدّة وحاجة ، مع أن الأنصار واسوهم ، وأشركوهم فيما بيدهم ، غير أن ذلك ما سدّ خلّتهم ولا دفع فاقتهم ، مع إيثارهم الضراء على السراء ؛ والفقر على الغنى ، ولم يزل ذلك دأبهم حتى فتح عليهم الفتوح كخيبر وغيرها ، ومع ذلك لم يزل عيشهم شديدا ، وجهدهم جهيدا ، حتى لقوا اللّه صابرين على شدّة العيش ؛ معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذّتها ، مقبلين على الآخرة ونعيمها ، فحماهم اللّه ما رغبوا عنه ، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه ، حشرنا اللّه في زمرتهم . آمين .
( فما منّا من أولئك السّبعة أحد ؛ إلّا وهو أمير مصر ) بالتنوين ( من الأمصار ) ، وهذا جزاء الأبرار في هذه الدار ، وهو خير وأبقى في دار القرار .
( وستجرّبون الأمراء بعدنا ! ) إخبار بأن من بعدهم من الأمراء ، ليسوا مثل الصّحابة في العدالة والديانة والإعراض عن الدنيا الدنية والأغراض النفسية ، وكان الأمر كذلك . فهو من الكرامات بالخبر عن الأمور الغيبية ، وذلك لأنهم رأوا منه صلّى اللّه عليه وسلم ما كان سببا لرياضتهم ومجاهدتهم وتقلّلهم في أمر معيشتهم ، فمضوا بعده على ذلك واستمروا على ما هنالك ، وأما غيرهم ممن بعدهم ! فليسوا كذلك ، فلا يكونون إلا على قضية طباعهم المجبولة على الأخلاق القبيحة ، فلا يستقيمون مع الحق على الصدق ، ولا مع الخلق على حسن الخلق .
وهذا الّذي ذكره المصنف بعض من خطبة عتبة بن غزوان العظيمة التي رواها مسلم في أواخر « صحيحه » .
ورواها الترمذي في « جامعه » و « شمائله » ؛ مقتصرا منها على ما ذكره المصنف هنا .