ابن التّيّهان الأنصاريّ - وكان رجلا كثير النّخل والشّاء ، ولم يكن له خدم - فلم يجدوه ، فقالوا لامرأته : « أين صاحبك ؟ » ، فقالت :
انطلق يستعذب لنا الماء .
شرح
واسم أبي الهيثم : مالك ( بن التّيّهان ) - بفتح التاء المثناة فوق ، وتشديد الياء المثناة ، تحت مكسورة - وهو لقب ، واسمه عامر بن الحارث ، وقيل : عتيك بن عمرو ( الأنصاريّ ) أي : المنسوب للأنصار لأنه حليفهم ، وإلّا ! فهو قضاعي ترهّب قبل الهجرة ، وأسلم وحسن إسلامه .
وانطلاقهم إلى منزله لا ينافي كمال شرفهم ، فقد استطعم موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام قبلهم ، وكان للمصطفى مندوحة عن ذلك ؛ ولو شاء لكانت جبال تهامة تمشي معه ذهبا ؛ لكن اللّه سبحانه وتعالى ، أراد أن يهتدي الخلائق بهم ، وأن يستنّ بهم السنن ، ففعلوا ذلك تشريعا للأمة .
وهل خرج صلّى اللّه عليه وسلم قاصدا من أوّل خروجه إنسانا معينا ، أو جاء التعيين بالاتفاق ؟ ! احتمالان ، قال بعضهم : الأصحّ أن أوّل خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة معينة ، لأن الكمّل لا يعتمدون إلّا على اللّه تعالى .
( وكان ) أي : أبو الهيثم ( رجلا ) من أشراف الصحابة وأكابرهم ، ( كثير النّخل ) ؛ واحده نخلة ، ( والشّاء ) بالهمز ؛ جمع شاة بالتاء ، وتجمع أيضا على شياه .
( ولم يكن له خدم ) - بفتحتين - جمع خادم ، يقع على الذكر والأنثى .
وليس المراد نفي الجمع ، بل نفي جميع الأفراد ، إذ لم يكن له خادم لا ذكر ولا أنثى ، والمقصود من ذكر ذلك بيان سبب خروجه بنفسه لحاجته ، فهو توطئة لقوله :
( فلم يجدوه ) أي : في البيت لاحتياجه إلى خروجه ، بسبب خدمة عياله ( فقالوا لامرأته : « أين صاحبك ؟ » ) ؛ وهو أحسن عبارة من « زوجك » .
( فقالت : انطلق ) أي : ذهب ( يستعذب لنا الماء ) ؛ أي : يأتي لنا بماء عذب ، من بئر ، وكان أكثر مياه المدينة مالحة .