بعد أن سمعت قول اللّه تعالى :
( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )
[ التوبة : 128 ] .
فكم من أعرابيّ فدم ، لا أدب له . . .
( بعد أن سمعت قول اللّه تعالى ) في سورة التوبة واصفا له بالرحمة والرأفة لأمته ، حيث قال
( لَقَدْ جاءَكُمْ )
- أيها العرب -
( رَسُولٌ )
- هو محمد صلّى اللّه عليه وسلم -
( مِنْ أَنْفُسِكُمْ )
- أي : منكم تعرفون نسبه وحسبه ، وأنّه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام . وهو ترغيب للعرب في نصره ، فإنّه تم شرفهم بشرفه ، وعزّهم بعزه ، وفخرهم بفخره ، فإنه من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف وطهارة النسب والأخلاق الحميدة -
( عَزِيزٌ )
- أي : شديد -
( عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ )
- أي : عنتكم ، أي مشقّتكم ولقاؤكم المكروه
( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ )
- أن تهتدوا -
( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ )
- شديد الرحمة -
( رَحِيمٌ )
( 128 ) مريد لهم الخير . وقيل : بالمؤمنين رؤوف ؛ أي : بالطائعين منهم ، رحيم بالمذنبين . قال الحسن بن الفضل : لم يجمع اللّه لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه تعالى إلّا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فسمّاه رؤوفا رحيما . وقال
( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ )
( 65 ) [ الحج ] .
( فكم ) خبرية ، بمعنى عدد كثير ومميّزها قوله ( من أعرابيّ ) فهو مجرور ب « من » ؛ كما في قوله تعالى
( * وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ )
[ النجم / 26 ] ، والأعرابيّ :
ساكن البادية ( فدم ) - بفتح فسكون - هو من الناس العييّ عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلّة فهم ، وهو أيضا : الغليظ الأحمق الجافي ؛ كما في « القاموس » . ويصحّ إرادة كلّ من المعنيين هنا .
( لا أدب له ) ، قال الحافظ السيوطي في « التوشيح » : الأدب : استعمال ما يحمد قولا وفعلا . وقيل : الأخذ بمكارم الأخلاق . وقيل : الوقوف مع المستحسنات . وقيل : تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك ، يقال : إنه مأخوذ من المأدبة ، وهي الدعوة إلى الطعام ، سمّي به ! ! لأنّه يدعى إليه . انتهى .