فكان جوابه الإغضاء ، والعفو عمّن أساء ، بل أدناه وقرّبه ، وما لامه وما أنّبه ، بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة في قالب . . .
« ويحك فمن يعدل إن لم أعدل ! ! خبت وخسرت إن لم أعدل » ، ونهى من أراد من أصحابه قتله .
وفي الكلام استعارتان بالكناية ؛ حيث شبّه كلا من السيف والسنان بإنسان يريد الانتقام نصرة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وحذف المشبّه به الذي هو الإنسان ، ورمز له بشيء من لوازمه ؛ وهو الوجه واللسان ، والعبوس والاحتداد ( ترشيح ) « 1 » .
( فكان جوابه ) صلّى اللّه عليه وسلم لذلك المسئ ( الإغضاء ) ، أي : الإمساك وعدم المؤاخذة . وفي « المصباح » : أغضى عينيه : قارب بين جفنيهما . ثم استعمل في الحلم فقيل : أغضى ؛ إذا أمسك عفوا عنه . وفي « المحكم » : أغضى على قذى ، صبر على أذى . انتهى .
( و ) كان جوابه ( العفو عمّن أساء ) ، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلم لا ينتقم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمات اللّه تعالى ؛ فينتقم للّه . كما عفا عن اليهودية التي سمّته في الشاة بعد اعترافها ، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره ؛ وقد أعلم به وأوحي إليه بشرح أمره ! ! ( بل أدناه ) ؛ أي : ذلك الأعرابي المسئ ( وقرّبه ) عطف تفسير ، ( وما لامه ) : عذله ، ( وما أنّبه ) أي : عنّفه . يقال : أنّبه تأنيبا : عنّفه ولامه ووبّخه ، والتأنيب أشدّ العذل ؛ وهو التوبيخ والتثريب . والتأنيب المبالغة في التوبيخ والتعنيف ، ومنه حديث توبة كعب بن مالك : ما زالوا يؤنّبوني .
( بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة ) أي : صبّته ( في قالب ) - بفتح اللام وكسرها - : هو الشيء يفرغ فيه الجواهر ليكون مثالا لما يصاغ منها ، وهو دخيل .
والصواب أنّه معرّب ، وأصله كالب ، لأن هذا الوزن ليس من أوزان العرب ك « الطابق » ونحوه ؛ وإن ردّه الشهاب في « شرح الشفاء » بأنه غير صحيح ، فإنها
هامش
( 1 ) الترشيح : ضرب من ضروب البلاغة ، بمعنى : تأكيد المعنى السابق .