قيل له : إنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم . فاصطنع خاتما ، فكأنّي أنظر إلى بياضه في كفّه .
وعن أنس أيضا : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كتب إلى كسرى ، ( قيل له ) - أي : قال له رجل ، قيل : من قريش ، وقيل : من العجم - ( : إنّ العجم لا يقبلون ) - أي : لا يعتمدون - ( إلّا كتابا عليه خاتم ) - بالفتح والكسر - أي : نقش خاتم ، فهو على تقدير مضاف . وعدم قبولهم له ! لأنّه إذا لم يختم تطرّق إلى مضمونه الشكّ ؛ فلا يعملون به ، ولأنّ ترك ختمه تشعر بترك تعظيم المكتوب إليه ، بخلاف ختمه ، فإنّ فيه تعظيما لشأنه .
( فاصطنع خاتما ) ؛ أي : فلأجل ذلك أمر بأن يصطنع له خاتم ، فالتركيب فيه مجاز عقلي ، على حد قولهم : بنى الأمير المدينة ؛ والصانع له كان يعلى بن أمية .
( فكأنّي أنظر إلى بياضه ) ، أي : بياض الخاتم ، لأنه كان من فضة ( في كفّه ) . ظاهره أنّه من باطن أصبعه ، وفي ذلك إشارة إلى كمال إتقانه ، واستحضاره لهذا الخبر حال الحكاية ، كأنّه يخبر عن مشاهدة .
ويدلّ هذا الحديث على مشروعيّة المراسلة بالكتب ، وقد جعل اللّه ذلك سنّة في خلقه ، أطبق عليها الأوّلون والآخرون . وأوّل من استفاض ذلك عنه نبيّ اللّه سليمان عليه الصلاة والسلام ، إذ أرسل كتابه إلى بلقيس مع الهدهد .
ويؤخذ منه ندب معاشرة الناس بما يحبّون ، وترك ما يكرهون واستئلاف العدوّ بما لا يضرّ ، ولا محذور فيه شرعا ؛ قاله المناوي .
( و ) في « الصحيحين » و « الشمائل الترمذيّة » ، - واللّفظ لها - : ( عن أنس أيضا ) رضي اللّه تعالى عنه ( أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كتب ) - أي : أراد أن يكتب ليوافق الرواية السابقة - ( إلى كسرى ) - بكسر أوّله وفتحه - : ملك فارس ، وهو معرّب خسرو - بفتح الخاء ، وسكون السين ، وفتح الراء - أي : واسع الملك . والنسبة إليه « كسرويّ » ، وإن شئت « كسريّ » . وعن أبي عمرو : جمع كسرى : أكاسرة على غير
منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 550
مساهمون: عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي
ص٥٥٠