قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر :
فلم يذكر الماء ، وهذا عندهم يسمّى « طيّا » ، وهو : أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلّم ، كإبهامه على السامع ، لعدم إرادة المتكلّم وقوف السامع عليه لنكتة ، وأنشد الزّمخشريّ شاهدا عليه قول جرير :
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * من العبيد وثلث من مواليها
فصرّح بذكر ثلثين وطوى ذكر الثالث ، كأنه قيل : والثالث من الأخيار الذين ليسوا موالي ولا عبيدا ، وفائدة الطيّ عندهم : تكثير ذلك الشيء ، لتذهب النفس كلّ مذهب ممكن ، لكن هذا التكلّف إنّما يجيء لو ورد لفظ « ثلاث » ولم يرد ! ! .
فقد ( قال شيخ الإسلام ) شهاب الملّة والدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد أبو الفضل ( الحافظ ابن حجر ) : لقب لبعض آبائه ، الكناني العسقلاني القاهريّ الشافعي ، الحافظ الكبير الشهير ، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخّرة .
ولد في ثاني عشر شعبان سنة : - 773 - ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر .
ونشأ بها يتيما في كنف أحد أوصيائه فحفظ القرآن ؛ وهو ابن تسع ، وتفقّه بالبلقيني والبرماوي وابن الملقّن والعزّ بن جماعة ، وعليه أخذ غالب العلوم الآلية والأصولية ، ثم حبّب اللّه إليه فنّ الحديث ، فأقبل عليه بكلّيّته فعكف على الزين العراقي وحمل عنه علم الحديث ؛ سندا ومتنا ، وعللا واصطلاحا .
وارتحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة ، وأكثر جدا من المسموع والشيوخ ، وسمع العالي والنازل ، واجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره ، وأدرك من الشيوخ جماعة كلّ واحد رأس في فنّه الذي اشتهر به ؛ فالتنوخيّ في معرفة القراءات ، والعراقيّ في الحديث ، والبلقينيّ في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع ، وابن الملقّن في كثرة التصانيف ، والمجد صاحب « القاموس » في حفظ اللغة ، والعزّ بن جماعة في تفنّنه في علوم كثيرة بحيث كان يقول : أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها .