والطّيب ، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » .
( والطّيب ، ) لأنّه حظّ الملائكة ، ولا غرض لهم في شيء من الدنيا سواه ، فكأنّه يقول : حبّي لهاتين إنما هو لأجل غيري ، قال الطيبي : جيء بالفعل مجهولا ! ! دلالة على أنّ ذلك لم يكن من جبلّته وطبعه ، وأنه مجبور على هذا الحبّ ؛ رحمة للعباد ورفقا بهم ، بخلاف الصلاة فمحبوبة له بذاتها فلذا قال :
( وجعلت قرّة عيني ) - فرحها وسرورها - ( في الصّلاة » ) ذات الركوع والسجود ، لأنّها محلّ المناجاة ومعدن المصافاة .
وقيل : المراد صلاة اللّه وملائكته عليه ، ومنع بأنّ السياق يأباه .
وقدّم النساء ! ! للاهتمام بنشر الأحكام وتكثير سواد الإسلام ، وأردف بالطّيب ؛ لأنّه من أعظم الدوعي لجماعهنّ ، مع حسنه بالذّات وكونه كالقوت للملائكة ، وأفرد الصلاة عنهما ! ! لأنّها غيرهما بحسب المعنى ، إذ ليس فيها تقاضي شهوة نفسانية ؛ كما فيهما .
قال العلامة ابن الحاج في كتابه « المدخل » : وانظر إلى حكمة قوله عليه الصلاة والسلام « حبّب إليّ » ولم يقل : أحببت ، وقال « من دنياكم » ، فأضافها إليهم ؛ دونه عليه الصلاة والسلام ، فدلّ على أن حبّه كان خاصّا بمولاه تبارك وتعالى ، فلذا غاير ؛ فقال : « وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » ، فكان عليه الصلاة والسلام بشري الظّاهر ؛ ملكوتي الباطن ، وكان عليه الصلاة والسلام لا يأتي إلى شيء من الأحوال البشرية إلّا تأنيسا لأمّته وتشريعا لها ، لا لأنّه محتاج إلى شيء من ذلك بحيث لو تركه لأضرّ به ، ألا ترى إلى قوله تعالى
( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ )
[ 50 / الأنعام ] ، فقال « لكم » ولم يقل « إني ملك » ؛ فلم ينف الملكية عنه إلّا بالنسبة إليهم ، أعني بكونه ملكا في معانيه عليه الصلاة والسلام ؛ لا في ذاته الكريمة ، إذ أنه عليه الصلاة والسلام يلحق بشريته ما يلحق البشر ، ولهذا قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي : هو بشر ليس كالأبشار ، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار ، وهذا منه رحمه اللّه تعالى على