وقد اختلف في قصّ الشارب وحلقه أيّهما أفضل ! ؟
فقال القاضي عياض : ذهب كثير من السلف إلى استيعاب الشارب ، وحلقه لظاهر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أحفوا وأنهكوا » وهو قول الكوفيين .
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق ، ومنهم الإمام مالك ، قال : ويحفي الشارب ويعفي اللحى ، وليس إحفاء الشارب حلقه ؛ أي : بل أخذ ما طال عن الشفة بقصّ ونحوه ، بحيث لا يؤذي الآكل ، ولا يجتمع فيه الوسخ . قال القرطبي : وأرى تأديب من حلق شاربه ؛ لما فيه من التشبّه بالمجوس . وعن أشهب ؛ عن مالك :
أنّ حلقه بدعة لذلك . قال : وأرى أن يوجع ضربا من فعله .
وقال النووي : المختار في قصّ الشارب أنّه يقصّه حتى يبدو طرف الشفة ، ولا يحفّه من أصله . وقال الطحاوي : لم نجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا ، وكان المزنيّ والربيع يحفيان شاربهما ، قال : وما أظنّهم أخذوا ذلك إلّا عنه .
وأما أبو حنيفة وأصحابه ! فمذهبهم في شعر الرأس والشارب : أنّ الإحفاء - الذي هو الإزالة بالكلية - أفضل من التقصير .
وأما أحمد ! ! فقال الأثرم : رأيته يحفي شاربه شديدا ، ونصّ على أنّه أولى من القصّ .
قال في « فتح الباري » : وذهب ابن جرير إلى التخيير ، فإنّه لمّا حكى قول مالك وقول الكوفيين ؛ ونقل عن أهل اللغة أنّ الإحفاء هو الاستئصال ؛ قال : دلّت السنة على الأمرين ، ولا تعارض ، فالقصّ يدلّ على أخذ البعض ، والإحفاء يدلّ على أخذ الكلّ ، فكلاهما ثابت ؛ فيخير فيما شاء .
قال الحافظ ابن حجر : فيؤخذ من قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث .
فأما الاقتصار على القصّ ! ففي حديث المغيرة : ضفت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وكان شاربي وفير فقصّه على سواك . رواه أبو داود والبيهقي بلفظ : فوضع السّواك تحت الشارب
منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 313
مساهمون: عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي
ص٣١٣