قال الحافظ العراقي في « شرح الترمذي » : ورواية أبي داود وابن ماجة هي الموافقة لكلام أهل اللغة ، إلا أن تؤوّل رواية الترمذي . وذلك أنّه قد يراد بقوله « دون » النسبة إلى القلّة والكثرة ، وقد يراد به النسبة إلى محلّ وصول الشعر ، ورواية الترمذي محمولة على هذا التأويل : أي : أنّ شعره كان فوق الجمّة ، أي :
أرفع في المحلّ ، فعلى هذا يكون شعره لمّة ؛ وهو بين الوفرة والجمّة . وتكون رواية أبي داود وابن ماجة معناها : كان شعره فوق الوفرة ؛ أي : أكبر من الوفرة ، ودون الجمّة ؛ أي في الكثرة ، وعلى هذا فلا تعارض بين الروايتين ، فروى كلّ راو ما فهمه من الفوق والدون .
قال تلميذه الحافظ ابن حجر : وهو جمع جيّد ؛ لولا أنّ مخرج الحديث متّحد ! ! وأجاب القسطلاني : بأن إحدى الروايتين نقل بالمعنى ، ولا يضرّه اتّحاد المخرج ، لاحتمال أنّه وقع ممن دونه . انتهى . ونحوه قول بعضهم : مآل الروايتين على هذا التقدير متّحد معنى ، والتفاوت بينهما إنما هو في العبارة ، ولا يقدح فيه اتّحاد المخرج ؛ وهو عائشة ، لأن من دونها أدّى معنى إحدى العبارتين .
هذا ؛ وقد يستعمل أحد اللفظين المتقاربين مكان الآخر كما سبق في « أفلج الثنيتين » ، حيث قالوا : الفلج يستعمل مكان الفرق ؛ فكذا يقال بمثله هنا .
انتهى .
قال الحافظ العراقيّ : ورد في شعره صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة أوصاف : جمّة ، ووفرة ، ولمّة ، فالوفرة : ما بلغ شحمة الأذن ، واللّمة : ما نزل عن شحمة الأذن ، والجمة : ما نزل عن ذلك إلى المنكبين ؛ هذا قول جمهور أهل اللغة ، وهو الذي ذكره صاحب « المحكم » و « النهاية » و « المشارق » وغيرهم .
واختلف فيه كلام الجوهري ؛ فذكره على الصواب في مادة « لمم » ، فقال :
واللّمة - بالكسر - : الشعر المتجاوز شحمة الأذن ، فإذا بلغت المنكبين فهي جمّة ، وخالف في ذلك في مادة « وفر » فقال : والوفرة إلى شحمة الأذن ثم الجمّة ، ثم
منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 306
مساهمون: عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي
ص٣٠٦