جلّ نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، . . .
حال السكوت وعدم التوجّه إلى أحد أطول من نظره إلى السماء ، فلا ينافي ما ورد من حديث أبي داود ؛ عن عبد اللّه بن سلام قال : « كان صلّى اللّه عليه وسلم إذا جلس يتحدّث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء . مع أنّه قد يحتمل أنّ الرفع محمول على حال توقّعه انتظار الوحي في أمر ينزل إليه . وقيل : الأكثر لا ينافي الإكثار ؛ وإنما كان نظره إلى الأرض أطول لكونه أجمع للفكرة ؛ وأوسع للاعتبار ؛ لاشتغاله بالباطن وإعمال جنانه في تدبير ما بعث بسببه ، أو لكثرة حيائه وأدبه مع ربّه ، أو أنّه بعث لتربية أهل الأرض ؛ لا لتربية أهل السماء .
والنظر - كما في « المصباح » - : تأمّل الشيء بالعين .
والأرض - كما قال الراغب - : الجرم المقابل للسماء . ويعبّر بها عن أسفل الشيء كما يعبر بالسماء عن أعلى الشيء . والطول : الامتداد . يقال « طال الشيء » : امتدّ . وأطال اللّه بقاءك : مدّه ووسّعه .
( جلّ نظره ) - بضم الجيم واللام المشددة - أي : معظم نظره إلى الأشياء لا سيما إلى الدنيا وزخرفها ( الملاحظة ) ؛ أي : النظر باللّحاظ - بفتح اللام - وهو : شقّ العين مما يلي الصّدغ .
وأما الذي يلي الأنف ! ! فالموق ، ويقال له : الماق . فلم يكن نظره إلى الأشياء كنظر أهل الحرص والشّره ، بل كان يلاحظها في الجملة ؛ امتثالا لقوله تعالى
( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ )
[ 131 / طه ] الآية .
( يسوق أصحابه ) ؛ أي : يقدّمهم بين يديه ويمشي خلفهم ؛ كأنه يسوقهم ، لأنّ الملائكة كانت تمشي خلف ظهره . روى الدارمي بإسناد صحيح أنّه صلّى اللّه عليه وسلم قال :
« خلّوا ظهري للملائكة » . وأخرج أحمد ؛ عن جابر رضي اللّه عنه قال : كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم يمشون أمامه ، ويدعون ظهره للملائكة . انتهى .
ولأن من كمال التواضع أن لا يدع أحدا يمشي خلفه ، وإيماء إلى مراعاة