إذا زال . . زال قلعا ، يخطو تكفّيا ويمشي هونا ، . . .
وما اشتهر من إطلاق « أنّ سبّابتيه كانتا أطول من وسطاه » ! ؟ غلط ، بل ذلك خاصّ بأصابع رجليه ؛ كما قاله بعض الحفاظ .
( إذا زال زال قلعا ) ؛ أي : إذا مشى رفع رجليه بقوّة كأنّه يقلع شيئا من الأرض ؛ لا كمشي المختال . وقلعا حال ؛ أو مصدر على تقدير مضاف ؛ أي :
زوال قلع ؛ وفيه خمسة أوجه : 1 / 3 - فتح أوّله مع تثليث ثانيه ؛ أي : فتحه وكسره وسكونه ، و 4 / 5 - ضمّ أوّله مع سكون ثانيه وفتحه .
والقلع - في الأصل - : انتزاع الشيء من أصله ، أو : تحويله عن محلّه .
وكلاهما صالح لأن يراد هنا ، لأنّه يرفع رجله بقوّة ويحوّلها كذلك .
( يخطو ) - بوزن : يعدو - ؛ أي : يمشي ( تكفّيا ) - بكسر الفاء المشددة بعدها ياء - ؛ أي : مائلا إلى سنن المشي ؛ لا إلى طرفيه . وهذه الجملة مؤكّدة لمعنى قوله « زال قلعا » .
( ويمشي هونا ) - بالنون ك « ضربا » ، نعت لمصدر محذوف ؛ أي : مشيا هونا ، أو حال - ؛ أي : هيّنا في تؤدة وسكينة . وهذه الجملة قيل : إنّها تفنّن في العبارة حيث عبّر عن المشي بعبارتين فرارا من كراهة تكرار لفظه . وقيل : تتميم لكيفية مشيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقوله « إذا زال زال قلعا » بيان لكيفيّة رفع رجليه عن الأرض ، وقوله « ويمشي هونا » بيان لكيفية وضعهما على الأرض .
وبهذا عرف أنّه لا تدافع بين الهون والتقلّع والانحدار ، والهون : الرفق واللين . فكان صلّى اللّه عليه وسلم يمشي برفق ولين ، وتثبّت ووقار ، وحلم وأناة ، وعفاف وتواضع ، فلا يضرب برجله ، ولا يخفق بنعله . وقد قال الزّهري : إنّ سرعة المشي تذهب بهاء الوجه . يريد الإسراع الخفيف ، لأنه يخلّ بالوقار ، إذ الخير في الأمر الوسط .
وهذه الصفة قد وصف اللّه تعالى بها عباده الصالحين بقوله
( وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً )
[ 63 / الفرقان ] . ولا يخفى أنّه صلّى اللّه عليه وسلم أثبت منهم في ذلك ،