لي حجرة بجنب حجرته وكنت في نهاية المواظبة في أوقات خدماته بالليل والنهار ، وكان يجتمع إليه الناس في اوّل الليل إلى أن يذهب شطر منه في أكثر الليالي .
( 1 ) فاتّفق انّه في بعض الليالي قعد على عادته ، والناس مجتمعون حوله ، فرأيته كأنّه يكره الاجتماع ويحبّ الخلوة ويتكلّم مع كلّ واحد بكلام فيه إشارة إلى تعجيله بالخروج من عنده ، فتفرّق الناس ولم يبق غيري فأمرني بالخروج ، فخرجت إلى حجرتي متفكّرا في حالته في تلك الليلة ، فمنعني الرقاد فصبرت زمانا فخرجت متخفّيا لأتفقّد حاله فرأيت باب حجرته مغلقا .
فنظرت من شق الباب وإذا السراج بحاله وليس فيه أحد ، فدخلت الحجرة فعرفت من وضعها انّه ما نام في تلك الليلة ، فخرجت حافيا متخفيا أطلب خبره وأقفو أثره ، فدخلت الصحن الشريف فرأيت أبواب قبة العسكريين مغلقة ، فتفقّدت أطراف خارجها فلم أجد منه أثرا ، فدخلت الصحن الأخير الذي فيه السرداب فرأيته مفتّح الأبواب .
( 2 ) فنزلت من الدرج حافيا متخفيا متأنّيا بحيث لا يسمع منّي حسّ ولا حركة ، فسمعت همهة من صفّة « 1 » السرداب كأنّ أحدا يتكلّم مع الآخر ولم أميّز الكلمات إلى أن بقيت ثلاثة أو أربعة منها وكان دبيبي أخفى من دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، فإذا بالسيد قد نادى في مكانه هناك : يا سيد مرتضى ما تصنع ؟ ولم خرجت من المنزل ؟
فبقيت متحيّرا ساكتا كالخشب المسندة ، فعزمت على الرجوع قبل الجواب ، ثم قلت في نفسي كيف تخفى حالك على من عرفك من غير طريق الحواس ، فأجبته معتذرا نادما ونزلت في خلال الاعتذار إلى حيث شاهدت الصفّة .
فرأيته وحده واقفا تجاه القبلة ليس لغيره هناك أثر ، فعرفت انّه يناجي الغائب عن أبصار البشر عليه سلام اللّه الملك الأكبر . . . « 2 »
هامش
( 1 ) الصفّة : الصفة من البنيان شبه البهو الواسع الطويل السّمك .
( 2 ) البحار ، ج 53 ، ص 238 ، الحكاية الثالثة عشرة .